مع تصاعد التوترات في مضيق تايوان، يعود الجدل مجددًا حول احتمال إقدام الصين على خطوة عسكرية حاسمة ضد الجزيرة.
وبينما تراجعت في السنوات الأخيرة مصداقية ما عُرف بـ"نافذة ديفيدسون" التي رجّحت تحرك بكين قبل 2027، تشير مجموعة من التطورات السياسية والعسكرية في 2025 و2026 إلى احتمال تشكّل ما يمكن وصفه بـ"عاصفة مثالية" قد تُغري الصين بالتحرك في توقيت أقرب مما كان متوقعًا.
شهد الموقف الصيني تجاه تايوان تحولًا ملحوظًا خلال العام 2025، إذ باتت القيادة في بكين أكثر اقتناعًا بأن "إعادة التوحيد" لم تعد هدفًا مؤجلًا إلى أجل غير مسمى، بل استحقاقًا تاريخيًا قد تحين لحظته قريبًا، بحسب "فورين أفيرز".
ويعود هذا التغير إلى عدة عوامل، في مقدمتها الاعتقاد المتزايد داخل الأوساط الصينية بأن الولايات المتحدة، في ظل رئاسة دونالد ترامب، أقل استعدادًا للتدخل عسكريًا دفاعًا عن تايوان.
تعزز هذا التصور من خلال استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الأخيرة التي ركزت على نصف الكرة الغربي، وردود الفعل المحدودة على المناورات الصينية حول تايوان في أواخر 2025.
كما رأت بكين في انشغال واشنطن بالحرب في أوكرانيا مؤشرًا إضافيًا على تشتت الموارد والتركيز الاستراتيجي الأمريكي.
في الوقت نفسه، يدفع الرئيس الصيني شي جين بينغ باتجاه ترك إرث سياسي واضح في ملف تايوان، لا سيما مع اقتراب نهاية ولايته الثالثة واحتمالات بدء ترتيبات انتقال السلطة داخل الحزب الشيوعي.
ورغم أن عام 2027 يُعد حساسًا سياسيًا بسبب انعقاد مؤتمر الحزب، فإن الفترة التي تسبقه قد تُنظر إليها في بكين على أنها نافذة تحرك أكثر مرونة وأقل كلفة سياسيًا.
أثرت سياسات إدارة ترامب بشكل مباشر على المشهد السياسي في تايوان. فقد فرضت واشنطن رسومًا جمركية مرتفعة، وربطت تخفيفها باستثمارات تايوانية ضخمة في قطاع الرقائق داخل الولايات المتحدة، ما أثار مخاوف في تايبيه من أن تتحول تايوان إلى ورقة تفاوض في صفقة أمريكية–صينية أوسع.
هذا النهج أضعف موقف الحزب الديمقراطي التقدمي الحاكم، وأدى إلى تراجع شعبية الرئيس لاي تشينغ تي، الذي تنظر إليه بكين باعتباره مؤيدًا لاستقلال تايوان.
وفي المقابل، ترى الصين في تغير المزاج الشعبي التايواني فرصة لتقويض الإجماع الداخلي الداعم لنهج المواجهة مع بكين.
كما تنظر الصين بعين الريبة إلى صفقات السلاح الأمريكية، معتبرة إياها ذات طابع تجاري أكثر من كونها التزامًا حقيقيًا بالدفاع عن الجزيرة.
وقد جاءت المناورات العسكرية الصينية الواسعة في ديسمبر 2025، التي حاكت حصارًا لتايوان، كرسالة واضحة مفادها أن بكين باتت أقرب عمليًا إلى اختبار سيناريوهات الحسم.
رغم التحفظ التقليدي للحزب الشيوعي الصيني تجاه المخاطر، فإن حسابات الكلفة والعائد قد تكون آخذة في التغير. فالفجوة العسكرية بين الصين وتايوان واسعة، سواء من حيث عدد القوات أو الميزانيات الدفاعية.
وإذا استبعدت بكين تدخلًا أمريكيًا مباشرًا، فإن كلفة العملية عسكريًا تبدو أقل ردعًا مما كانت عليه سابقًا.
يبقى العامل الحاسم هو رد الفعل الدولي، خصوصًا العقوبات الاقتصادية. غير أن التجربة الصينية الأخيرة في الحرب التجارية مع واشنطن، واستخدامها أدوات ضغط مثل المعادن النادرة، عززت ثقة بكين بقدرتها على امتصاص العقوبات أو تقليل أثرها.
كما أن تعاطي الولايات المتحدة المرن مع مطالب روسيا الإقليمية شجع الصين على الاعتقاد بأن منطق مناطق النفوذ بات أكثر قبولًا في السياسة الدولية.
ورغم عدم وجود مؤشرات مباشرة على هجوم وشيك، فإن تضافر هذه العوامل يجعل عام 2026 مرحلة دقيقة قد ترى فيها بكين أفضل فرصة متاحة لتحقيق هدف طال انتظاره.
وفي هذا السياق، تبدو "العاصفة المثالية" لتايوان احتمالًا لا يمكن تجاهله، حتى وإن لم يتحول بعد إلى قرار نهائي بالحرب.