أثارت تصريحات وزير المالية البولندي أندريه دومانسكي، بشأن عدم حماسة بلاده للانضمام إلى منطقة اليورو، نقاشات تجاوزت "السياسة النقدية" ليطال جوهر المشروع الأوروبي نفسه، الذي يطمح إلى التكامل على مختلف المستويات، بما في ذلك ملف العملة.
فهذه هي المرة الأولى التي تصدر الشكوك، بهذا الوضوح حول جدوى "اليورو"، عن دولة حققت وضعا اقتصاديا مستقرا خارج مظلته، وتقدّم نفسها نموذجا يرى في العملة الوطنية مصدر قوة لا عائقا.
ويرى خبراء أن قول الوزير البولندي لصحيفة "فاينانشال تايمز" إن بلاده "ليست في عجلة من أمرها" للانضمام إلى منطقة اليورو، لا يختزل في كونه موقفا تقنيا وإجرائيا، بل إشارة ذات دلالة ترمز إلى تحول النظرة حيال العملة الموحدة.
ويوضح الخبراء أن رؤية بولندا تكشف أن الانضمام لمنطقة اليورو لم يعد أولوية، وهو ما يقود إلى تساؤل حول جدوى "اليورو" وإذا كان قد أصبح عبئا أكثر منه امتيازا؟
منطقة اليورو
منذ إطلاقه رسميا عام 1999، لم يكن اليورو مجرد عملة ذات بعد اقتصادي فحسب، بل كان مشروعا سياسيا هدفه تعميق الاندماج الأوروبي وتحصين القارة ضد النزعات القومية عبر ربطها بعملة موحدة قادرة على منافسة الدولار الأمريكي.
لكن المشكلة التي ظهرت لاحقا، بحسب خبراء، هي أن معظم دول الاتحاد الأوروبي باتت تملك عملة موحدة، لكنها لا تملك سياسة مالية موحدة ولا آلية مركزية لإعادة توزيع الأعباء بين الدول.
ويلاحظ الخبراء أن الهياكل الاقتصادية متفاوتة داخل منطقة اليورو، فألمانيا وهولندا والنمسا في الشمال تختلف جذريا عن اليونان وإيطاليا وإسبانيا في الجنوب.
وهذا الخلل في متانة الاقتصاد لم يظهر في فترات الاستقرار النسبي، لكنه طفا على السطح خلال الأزمات، كما حصل خلال أزمة الديون السيادية، ولا سيَّما في اليونان وإيطاليا وإسبانيا، إذ كشفت أن اليورو يمكن أن يتحول في أوقات الشدة إلى قيد خانق بدلا من أن يكون "مظلة استقرار".
ويشرح خبراء اقتصاديون أن الدول التي فقدت عملتها المحلية خسرت معها القدرة على استخدام أدوات تقليدية للتكيّف، مثل خفض قيمة العملة أو تعديل أسعار الفائدة بما يتلاءم مع ظروفها الداخلية، واضطرت بدلا من ذلك إلى تطبيق سياسات تقشف قاسية ذات كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة.
ويضيف الخبراء أن أزمة كورونا ومن ثم تذبذب سلاسل الإمداد، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، وأزمة الطاقة، بعد فقدان الغاز الروسي زهيد الثمن، ومستويات التضخم العالية وغيرها من الأزمات، تراكمت لتعمّق الشعور بعدم التوازن داخل منطقة اليورو وأن الأعباء لا تتوزع بالتساوي.
ضمن هذا السياق، يمكن فهم تصريح المسؤول البولندي، فبلاده التي حققت في السنوات الماضية معدلات نمو مستقرة نسبيا، واستفادت من السوق الأوروبية المشتركة، ترى أن الاحتفاظ بعملتها الوطنية "الزلوتي" يمنحها مرونة سياسية ونقدية لا ترغب في التفريط بها، على الأقل حاليًا.
ولا يعني ذلك رفضا نهائيا لليورو، كما يذهب خبراء، بل يعد نوعا من البراغماتية لإعادة تقييم فكرة كانت تُعد في السابق بديهية، ومغرية.
واللافت أن هذا التحول لا يقتصر على بولندا وحدها، فعدد من الدول الأعضاء التي لم تنضم بعد لمنطقة اليورو، مثل التشيك والمجر والسويد، باتت تنظر إلى العملة الموحدة بفتور وحذر.
ومرد مثل هذا التصور، بحسب خبراء، يعود إلى أن التجربة أثبتت أن الاحتفاظ بالعملة المحلية يمكن أن يكون، في ظروف معينة، مصدر قوة لا ضعفًا، وأن النجاح الاقتصادي ليس حكرا على الدول التي انضمت فعليا لمنطقة اليورو.
استقلالية
الانضمام إلى اليورو يعني، من المنظور السياسي، التخلي عن أحد أهم رموز السيادة، أي القدرة على التحكم في السياسة النقدية باستقلالية، ولذا ربط مصيرها الاقتصادي بقرارات تُتخذ في مدينة فرانكفورت الألمانية، حيث مقر البنك المركزي الأوروبي، وفق حسابات ومعادلات تراعي مشاغل ومصالح منطقة واسعة وغير متجانسة.
وفي حين يرى الخبراء أن ما قد يكون، من البديهي، مناسبا لاقتصاد صناعي قوي مثل ألمانيا وفرنسا، قد لا يكون كذلك بالنسبة لليونان، ليصبح اليورو، في نظر بعض الدول، قيدا لا ضمانة.
ويبين الخبراء أن تراجع جاذبية اليورو يهدد فكرة "النواة الصلبة" التي قامت عليها رؤية التكامل التدريجي، فإذا لم تعد منطقة اليورو تمثل مركز الثقل السياسي والاقتصادي الذي تسعى الدول للالتحاق به، فإن المشروع الأوروبي بحد ذاته يصبح موضع جدل.
ولا يعني ذلك تفكك الاتحاد، بل تحوّله من مشروع اندماج طموح إلى إطار تعاوني محدود ينطوي على مخاطر انقسام صامت، وتباعد رؤى الدول، وتراجع الطموح الجماعي على حساب مصالح وطنية.
لكن رغم ذلك، ثمة مزايا لليورو لا يمكن إنكارها، كما يشدد الخبراء، فهو يعزز الاندماج السياسي ضمن التكتل الأوروبي، ويمنح الدول "المتواضعة اقتصاديا" مظلة نقدية قوية، ويقلل من مخاطر تقلبات العملة، ويعزز ثقة المستثمرين على المدى الطويل، ولا سيَّما في الدول التي عانت تاريخيا من عدم الاستقرار النقدي.
وقد تفقد هذه المزايا والامتيازات جزءا من بريقها عندما تكون الدولة المعنية قادرة على تحقيق الاستقرار والنمو بعملتها الوطنية، كما هو الحال بالنسبة لبولندا التي تقدم نموذجا لافتا لما يمكن تسميته بـ"الاندماج الانتقائي"، فوارسو منخرطة بعمق في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ومستفيدة من السوق المشتركة ومن آليات الدعم، لكنها تحتفظ بعملتها المحلية، حتى الآن.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة تصريح وزير المالية البولندي بوصفه مرآة تعكس أزمة أعمق يعيشها الاتحاد الأوروبي وسط جدالات تتصاعد بشان تحقيق توازن بين السيادة الوطنية والطموح الجماعي، فمنطقة اليورو تقف اليوم عند مفترق طرق، ولم يعد الانضمام إليها خيارا بديهيا بل قرارا سياسيا، تتريث الدول في اتخاذه، وتعيد حساباتها بعناية.
ويخلص خبراء إلى استنتاج بأن ما قاله وزير المالية البولندي ليس مجرد تصريح هامشي بل إشارة مقلقة إلى أن المسائل التي ظن الأوروبيون أنهم تجاوزوها، كمسألة الانضمام لمنطقة اليورو، عادت لتفرض نفسها من جديد، ما يستدعي مراجعات ونقاشات للتوصل إلى الخيار الصائب.