الخارجية التركية تستدعي السفير الإيراني لدى أنقرة
تتوسع الضربات الجوية على أهداف داخل إيران في النطاق الجغرافي ونوعية المواقع المستهدفة، مع تركيز واضح على القواعد الصاروخية، ومراكز القيادة، والبنية اللوجستية للحرس الثوري.
وأدت الضربات إلى أضرار في أجزاء من منشأة نطنز النووية، بعد استهداف مرافق سطحية مرتبطة بالمجمع خلال إحدى الغارات الأخيرة.
مع ذلك، تبقى البنية الأساسية لبرنامج التخصيب الإيراني خارج بنك الأهداف العملياتي المباشر حتى الآن.
القاعات العميقة التي تضم أجهزة الطرد المركزي في نطنز وفوردو لم تدخل مسار الضربات الجوية، وهو تفصيل يلفت الانتباه في ظل تصعيد عسكري واسع يستهدف إيران.
منذ سنوات طويلة يشكّل البرنامج النووي الإيراني أحد أكثر الملفات حساسية في التوازنات الإستراتيجية في الشرق الأوسط.
وفي العادة، عندما تدخل الدول في مواجهة عسكرية مع خصم يمتلك برنامجًا نوويًا ناشئًا أو متقدمًا، تصبح المنشآت النووية الهدف الأول لأي ضربة استباقية، كما حدث في العراق العام 1981 حين قصفت إسرائيل مفاعل تموز، أو في سوريا العام 2007 عندما استهدفت منشأة دير الزور النووية المشتبه بها.
في المشهد الراهن تُطرح مفارقة لافتة تُفيد بأن الضربات المتكررة التي تستهدف البنية العسكرية الإيرانية لا تتجه مباشرة نحو المنشآت النووية داخل إيران نفسها.
لفهم هذا المشهد لا بد من العودة إلى ما بات يعرف إعلاميًا بـ "حرب الاثني عشر يومًا" في حزيران الماضي. خلال تلك المواجهة القصيرة أعلنت واشنطن أنها نفذت ضربات طالت مواقع مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، في خطوة اعتُبرت، آنذاك، تحولًا في قواعد الاشتباك.
ومع ذلك فإن التدقيق في طبيعة تلك الضربات أظهر أنها لم تستهدف تدمير البنية التحتية الأساسية للتخصيب النووي، فقد تركزت الضربات على منشآت مساندة أو مرافق تقنية مرتبطة بسلسلة الإمداد النووي، بينما بقيت مواقع التخصيب الرئيسية خارج الاستهداف المباشر أو تعرضت لأضرار محدودة لم تغير جوهر البرنامج.
خلال العقدين الماضيين تطور البرنامج النووي الإيراني ليصبح شبكة واسعة من المنشآت المتخصصة، تشمل مرافق للتخصيب، ومراكز أبحاث، ومفاعلات نووية، ومنشآت لإنتاج الوقود النووي.
هذه الشبكة موزعة جغرافيًا داخل عدة محافظات إيرانية، ما يجعل البرنامج أكثر تعقيدًا من الناحية العسكرية.
أبرز هذه المواقع منشأة نطنز الواقعة في محافظة أصفهان، وهي أكبر مركز لتخصيب اليورانيوم في إيران.
المنشأة تضم آلاف أجهزة الطرد المركزي التي تستخدم في عملية تخصيب اليورانيوم، وقد بُني جزء كبير من مرافقها تحت الأرض بعد تعرضها لعمليات تخريب وهجمات إلكترونية خلال السنوات الماضية.
الموقع الثاني الذي يحظى باهتمام خاص في التحليلات العسكرية هو منشأة فوردو القريبة من مدينة قم.
هذه المنشأة بُنيت داخل جبل صخري، وتحتوي على قاعات تخصيب محمية بطبقات صخرية سميكة. والطبيعة الجغرافية للموقع تمنحه مستوى حماية مرتفعاً يجعله إحدى أكثر المنشآت النووية تحصيناً في إيران.
ويقوم البرنامج النووي الإيراني على شبكة واسعة من المنشآت المترابطة، تشمل مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية المسؤول عن تحويل اليورانيوم الخام إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم المستخدم في أجهزة الطرد المركزي، إضافة إلى مفاعل آراك للماء الثقيل ومنشآت استخراج اليورانيوم في مناجم ساغند ومصانع التركيز في أردكان.
هذا التوزيع ضمن دورة وقود نووي كاملة يجعل أي عملية عسكرية تستهدف البرنامج عملية معقدة، خصوصاً مع وجود مواد نووية مخصبة داخل بعض المنشآت، وهي مواد قد يؤدي استهدافها إلى مخاطر إشعاعية واسعة.
خلف هذه الاعتبارات يبرز سؤال أكثر حساسية: ماذا عن مخزون اليورانيوم المخصب نفسه؟
بدأت إيران التخصيب الصناعي في منشأة نطنز العام 2007 باستخدام أجهزة الطرد المركزي من طراز IR-1، عند مستويات منخفضة تقارب 3.5 % وهي النسبة المستخدمة في وقود المفاعلات النووية.
بعد العام 2019 رفعت طهران مستويات التخصيب تدريجياً، لتصل إلى 20 % ثم إلى 60 %، وهي مستويات تضع البرنامج النووي على مسافة تقنية قصيرة من عتبة التخصيب العسكري التي تبلغ نحو 90 %.
ويرتبط هذا المسار بما يُعرف في التحليلات النووية بـ"زمن الاختراق النووي"، أي المدة التي تحتاجها دولة تمتلك مواد مخصبة وبنية تقنية جاهزة لإنتاج كمية كافية من المادة الانشطارية لصنع سلاح نووي واحد.
وتشير تقديرات غربية إلى أن هذا الزمن تقلّص في الحالة الإيرانية، خلال السنوات الأخيرة، مع ارتفاع مستويات التخصيب وتطور أجهزة الطرد المركزي.
وجعل هذا الواقع ملف المخزون النووي الإيراني جزءًا أساسيًا من النقاشات الدولية حول مستقبل البرنامج النووي، لأن إدارة هذه المواد تصبح قضية إستراتيجية بحد ذاتها في أي سيناريو سياسي أو عسكري يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
المواد المخصبة يمكن نقلها أو إعادة استخدامها في منشآت أخرى، حتى لو تعرضت بعض المنشآت للتدمير.
من هنا يبرز احتمال إستراتيجي آخر يُناقش في دوائر التحليل الأمني، هو أن الهدف في أي سيناريو مستقبلي قد لا يكون تدمير هذه المواد بقدر ما هو السيطرة عليها أو تحييدها بطريقة مختلفة.
في التجارب الدولية السابقة، كان التعامل مع المواد النووية الحساسة يجري غالبًا عبر السيطرة عليها أو نقلها تحت إشراف دولي، وليس عبر تدميرها.
حدث ذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حين جرى تأمين الترسانة النووية المنتشرة في جمهوريات عدة، كما حدث في ليبيا، العام 2003، عندما تم نقل برنامجها النووي الناشئ إلى الخارج.
هذا النموذج يطرح احتمالًا مشابهًا في الحالة الإيرانية، وإن كان أكثر تعقيداً بكثير. فبدلاً من ضرب المنشآت النووية وتدمير المخزون، قد يكون السيناريو الأكثر واقعية في نظر بعض الاستراتيجيين هو فرض ترتيبات تؤدي إلى وضع اليد على مخزون اليورانيوم المخصب أو إخضاعه لرقابة دولية صارمة.
ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يطرح بدوره سؤالًا كبيرًا حول من يمكنه فعليًا وضع يده على هذا المخزون؟
الولايات المتحدة تملك القدرات العسكرية والتقنية، لكن أي تدخل مباشر داخل إيران من أجل السيطرة على المواد النووية سيكون عملية معقدة للغاية.
أما الوكالة الدولية للطاقة الذرية فتملك الإطار القانوني والرقابي، لكنها لا تملك القوة التنفيذية اللازمة لفرض السيطرة في حال رفضت طهران التعاون.
وهكذا، فإن الحسابات العسكرية المحيطة بالبرنامج النووي الإيراني تبدو مختلفة عن بقية أهداف الصراع، فالضربات الجوية تستهدف البنية العسكرية التقليدية، بينما يبقى ملف اليورانيوم المخصب ضمن دائرة الحسابات الإستراتيجية الأوسع التي تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والتقنية والسياسية.