في مشهد غير مألوف، حرص بعض الإيرانيين على تشييع أقاربهم الذين قتلوا في الاحتجاجات الأخيرة، عبر جنازات صاخبة تضمنت موسيقى البوب الصاخبة والرقص، والتي يبدو أنها رسالة للتعبير عن التحدي للنظام الحاكم، بحسب ما ذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية.
وقالت الصحيفة، إنه بدلاً من إقامة مراسم الحداد التقليدية الكئيبة التي يرأسها في العادة رجل دين شيعي، يقوم الأقارب المفجوعون الآن بتحويل مراسم الدفن إلى احتفالات بهيجة بحياة أحبائهم، في ما يقول المحللون إنه "استخفاف متعمد بثقافة التقوى التي يفرضها النظام".
وتنقل الصحيفة عن علماء الاجتماع الإيرانيين، قولهم إن أجواء الجنازات هذه، تحمل رسالة تمرد في مواجهة حملة القمع المميتة، حيث تشير بعض التقديرات إلى مقتل 30 ألف شخص في المظاهرات التي اندلعت أواخر ديسمبر وانتشرت في جميع أنحاء البلاد، بينما ترى تقديرات أخرى أن العدد أكبر.
وقال حسين غازيان، وهو معلق إيراني مقيم في الولايات المتحدة: "إنّ العديد من المعزين اليوم... لا يريدون أن يحمل حزنهم على أحبائهم أيّ أثرٍ للحداد الديني الذي يُميّز الثقافة الفرعية التي يتشاركها قتلتهم. فبدلاً من التعبير عن الحزن علناً، يختارون إظهار الفرح. ويحمل هذا الفرح رسالة سياسية قوية تدعو إلى المثابرة في النضال ضدّ الظالمين المتعطشين للدماء"، وفق تعبيره.
بدلاً من الحزن الصريح، تصور مقاطع الفيديو مشاهد مبهجة، بما في ذلك نساء بدون غطاء الرأس، يصرخن ويرقصن على أنغام الأغاني الشعبية التي تُبث بصوت عالٍ عبر مكبرات الصوت.
ويمكن تفسير مشاهد النساء وهن يرقصن ويغنين في الأماكن العامة على أنها رفض للمبادئ الأساسية للجمهورية الإسلامية، التي تحظر الرقص وصوت المرأة الغنائي باعتبارهما حراماً، بحسب "الغارديان".
وقالت العائلات التي فقدت أقاربها إنها قررت تنظيم فعاليات نابضة بالحياة لتجسيد الروح التي عاش بها المتوفى.
ورقص أقارب ميلاد (17 عامًا)، على أنغام أغنيته المفضلة " غاف"، وهي أغنية رومانسية من تأليف علي رضا تالشي، في جنازته بعد وفاته متأثرًا بجراحه إثر إطلاق قوات الأمن النار على متظاهرين في حي نازي آباد بطهران في 8 يناير/كانون الثاني.
ووفق "الغارديان"، فقد طالبت السلطات في البداية من عائلته فدية تعادل 5000 جنيه إسترليني لإعادة جثمانه، ولم يتضح المبلغ الذي دفعته عائلته في نهاية المطاف.
وقال شقيقه الأكبر رضا، المقيم في تالين بإستونيا: "لقد فعلوا ما كان ميلاد يريده. رقصوا وهم يذرفون الدموع في الجنازة. حتى في حدادهم، كرموا حياته المفعمة بالحيوية".
من جانبها، وصفت شقايغ، البالغة من العمر 21 عاماً، ظروفاً مماثلة أحاطت بابن عمها البالغ من العمر 19 عاماً، والذي قُتل بالرصاص في احتجاج في نارماك، وهو حي في شمال طهران، وقالت: "لا أستطيع حتى أن أخبركم كم دفعنا من المال، لكننا كنا نريده أن يعود إلينا، عندما وصل جثمانه أخيرًا إلى المنزل، استعدت العائلة كما لو كانت تستعد لحفل زفاف. تم نصب مكبرات الصوت. امتلأ المرآب بخيام كبيرة. طبخ أفراد العائلة معًا، تمامًا كما يفعلون في الاحتفالات".
ويُعد الرقص جزءًا مهمًا من الثقافة الإيرانية، ولكنه يقتصر عمومًا على الأماكن المغلقة مثل الحفلات الخاصة وحفلات الزفاف في ظل القيود الدينية التي يفرضها النظام، وعلى النقيض من ذلك، فإن العديد من الجنازات المبهجة التي تم تصويرها على وسائل التواصل الاجتماعي تقام في الهواء الطلق في أماكن تبدو وكأنها تتحدى بجرأة الأعراف المحافظة للنظام.
وقال سعيد بايفاندي، عالم الاجتماع في جامعة لورين في فرنسا، إن الجنازات الإيرانية التي تخلو من الرموز الإسلامية التقليدية تمثل "مقاومة ضد الحكومة الثيوقراطية التي تريد فرض المعايير الدينية على جميع أفراد المجتمع الإيراني ومختلف جوانب حياة الأفراد".
وأضاف: "في حركات الاحتجاج، أصبحت مراسم الحداد على ضحايا القمع الحكومي مساحة لتحدي الأعراف الدينية والرسمية"، وتابع سعيد: "إنهم يريدون أن يقولوا للحكومة إننا لا نبكي على شهداء الحرية، لقد اختاروا الطريق الصحيح وهم مصدر فخر لنا".