يمر حلف شمال الأطلسي "الناتو" بأصعب اختبار تماسك في تاريخه الحديث، في ظل اختلاف الأولويات بين أوروبا والولايات المتحدة مع حضور الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، وما يحتويه القطب الشمالي من مغريات حملتها السنوات الأخيرة، ناتجة عن التغير المناخي وإذابة الجليد لتفتح طرق وممرات مائية استراتيجية عالمية مهمة، بجانب الثروات الطبيعية هناك، وذلك بالتزامن مع تعدد التهديدات نحو جزيرة غرينلاند التابعة للتاج الملكي الدنماركي؛ ما راكم عوامل تضغط على بنية الناتو، الأمر الذي يجبر قادته الأوروبيين على إعادة تعريف وجوده وشكل مستقبله.
وتأسس الناتو في 4 أبريل 1949 لمواجهة التهديدات الأمنية خصوصا من الاتحاد السوفيتي وقتئذ في مهد ما عرف بالحرب الباردة مع الولايات المتحدة والتي كانت فيها الدول الأوروبية عنصر دعم أصيلا وتقدم الاحتياجات كافة، وكان المبدأ الأساسي لعمله الدفاع الجماعي بموجب المادة 5 والتي تنص في مجملها على أن أي هجوم مسلح على عضو واحد يعتبر هجوما على جميع الأعضاء؛ ما يستلزم من كل عضو اتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة، لمساعدة العضو المتعرض للهجوم.
ويضم الحلف التاريخي 32 دولة، 30 منهم في أوروبا على رأسهم بريطانيا وألمانيا وفرنسا، و2 في أمريكا المشالة هما الولايات المتحدة وكندا.
ويوضح مصدر سياسي ألماني رفيع المستوى، أن أصعب مرحلة تواجه الأوروبيين هو الوقوف للدفاع عن الحلف التاريخي مع الولايات المتحدة، الممثل في الناتو، وذلك أمام ترامب ومن يريد أن تكون أوروبا تابعة بـ"القيصرية" في إشارة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وبحسب المصدر السياسي الألماني في تصريحات لـ"إرم نيوز"، فأن بغض النظر عن كل الارتدادات السياسية وما سيؤدي إلى انشقاق وانقسام في الناتو، فإن ترامب يعطي لبوتين جميع المفاتيح والسبل لاحتلال أوكرانيا ومن ثم استقطاع ما يريده من شرق أوروبا، حتى يفوز الرئيس الجمهوري من جهة أخرى، بمواقع يطمع فيها ويتمثل جانب منها الآن في غرينلاند، وكأن الشخصين جلسا لتقسيم القارة العجوز على ورقة، بتجزئة متبادلة.
واعتبر المصدر أن ترامب يريد أن يكسر دول الناتو الممثلة في أوروبا لأنه يرغب في إعادة تشكيل هذا الحلف بصيغة جديدة تجعل القارة العجوز أداة في يد إدارته بالتحديد وليس للولايات المتحدة، لأن أي سياسة منطقية تخدم مصالح واشنطن، لا تذهب إلى مثل هذا الانتحار بتكوين عداء أو خصومة مع أهم وأقوى حليف لها أي أوروبا.
وتابع أن ترامب يريد أن يجعل الدول الأوروبية ولاية أمريكية خاضعة أكثر، بعد أن وجد أن هناك خروجا عن هذا التحالف بإنشاء جانب من التصنيع العسكري من دون حضور أمريكي برغبة في الأساس من واشنطن وليس من الأوروبيين، ويرفض أن يكون هناك تنوع في التعامل الاقتصادي لدول أوروبية، وتشبعه بمنطق أن ما هو حق للولايات المتحدة ليس جائزا على الضفة الأطلسية الأخرى.
ولم تتوقف الأزمات الوجودية لحلف شمال الأطلسي لاسيما في العقد الأخير ، عند التوتر المتصاعد مع روسيا والذي يعتبر التهديد الأساسي والأكثر استهدافا لهذه المنظومة، بل يحضر بقوة عدم الانسجام الداخلي والخلافات الاستراتيجية على أثر توترات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية حول الالتزامات المالية للدفاع، بجانب تهديدات غير تقليدية ومنها الحروب السيبرانية والهجينة التي تعتمد على القوة الحديثة.
وبالرغم من جميع التحديدات السابقة، تأتي سياسات ترامب، التي تعتبر الأزمة الوجودية الحقيقة لكونها قادمة من الحليف التاريخي، في ظل إرسال الرئيس الجمهوري خلال ولايته الثانية، عدة إشارات ضد وحدة الناتو.
وتتعاظم الأزمات الوجودية للحلف مع تباين الإنفاق حيث يعاني الناتو من عدم التزام بعض الأعضاء بتقديم مخصصاتهم المالية المطلوبة، فضلا عن تهديدات ما يعرف بـ"الحلف المضاد" غير المعلن، المكون من الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران.
وتعصف كل الجهات بمستقبل الناتو أمام تحدي تهديد غرينلاند الذي يقوده ترامب والذي جر معه سيناريوهات علنية أخرى، منها ما انعكس في حديث نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف، بأن الجزيرة قد تنضم إلى روسيا إذا تأخر ترامب في ذلك وأن على الرئيس الأمريكي أن يسرع في تحركه بشأنها
وكان أعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، أن التحالف يعمل على سبل تعزيز الأمن في المنطقة القطبية الشمالية، فيما تسعى أوروبا للتصدّي إلى مطامع الرئيس الأمريكي في غرينلاند. ، وتابع بالقول "نعمل حاليا على الخطوات التالية لتضمن حماية جماعية لما هو على المحكّ".
وفي هذه الاثناء، تقف مجموعة من الدول الأوروبية بقيادة بريطانيا وألمانيا أمام خطط لتعزيز وجودها العسكري في غرينلاند لتُظهر للرئيس الأمريكي، أن القارة جادة بشأن أمن القطب الشمالي، وسط ما نقل عن مصادر مطلعة أن ألمانيا ستقترح تشكيل بعثة مشتركة من حلف شمال الأطلسي لحماية منطقة القطب الشمالي.
ويرى أستاذ في العلاقات الدولية في جامعة ديجون الفرنسية والخبير في الشؤون الأمنية، الدكتور عبد الرحمن مكاوي، أن تصدع الحلف بدأ مع وصول الرئيس ترامب للبيت الأبيض في ولايته الثانية عندما طالب برفع ميزانية الناتو من 2 إلى 5% ، الأمر الذي تعاملت معه الدول الأوروبية التي تعيش أزمة اقتصادية خانقة على مضض باستثناء إسبانيا التي مازالت ترفض هذه الزيادة.
وأضاف مكاوي في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هذا الخلاف المالي حمل اعتقاد راسخا من ترامب أن الولايات المتحدة هي التي تحمي أوروبا ومن دونها فإن القارة العجوز لا يمكنها الصمود أمام روسيا؛ ما جعل الدول الأوروبية تنتبه إلى ذلك الأمر، واتجهوا إلى سباق جنوني نحو التسلح لاسيما في فرنسا وألمانيا وبريطانيا.
واستطرد مكاوي أن تهديد ترامب بضم أجزاء من أعضاء الناتو سواء كندا وأيضا غرينلاند، يدق أخر مسمار في نعش هذا الحلف، في ظل اتجاه أوروبي بإنشاء حلف آخر قد يكون معاكسا لسياسات الرئيس الجمهوري، في انتظار وصول رئيس أمريكي آخر ، يكون أكثر تفهما للتحالف التاريخي بين ضفتي الأطلسي.
وبدوره، يؤكد الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور محمد بايرام، أن حلف شمال الأطلسي يمر بلحظة مفصلية تعتبر الأخطر منذ تأسيسه قبل 77 سنة، والأخطر منذ نهاية الحرب الباردة في ظل وقائع سياسية وأمنية متراكمة تضع الناتو أمام اختبارات غير مسبوقة داخليا وخارجيا وفي بيئة دولية تتغير قواعدها بطريقة متسارعة.
وبين بايرام في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن في الداخل تتزايد الخلافات بين أعضاء الناتو، يعود جوهرها إلى سياسات ترامب الذي أعاد فتح ملفات كانت من المحرمات داخل الحلف، حيث إن الحديث الصريح للرئيس الجمهوري حول ضرورة سيطرة بلاده على الجزيرة، حتى لو اضطر الأمر إلى استخدام القوة، شكل أزمة حقيقية داخل التحالف
وأردف أن غرينلاند ليست بلا سيادة بل أقليم تابع للدنمارك العضو البارز في الناتو؛ ما يطعن في مبدأ التضامن نفسه الذي يقوم عليه الحلف، والردود الأوروبية لم تتأخر حيث حذر قادة دول بالقارة العجوز من أن هذا المنطق يقوض الثقة بين الحلفاء ويفتح الباب أمام أزمة داخلية غير مسبوقة.
وتابع أن هناك مفارقة خطيرة أن الحلف الذي تأسس للدفاع الجماعي بات يشهد خلافا حادا بين أعضائه حول مفهوم السيادة والأمن المشترك لكن الأزمة لا تتوقف عند حدود الخلافات الداخلية حيث يواجه الناتو على المستوى الخارجي بيئة تهديد أكثر تعقيدا من أي وقت مضى؛ إذ تعتبر روسيا الخطر التقليدي الأبرز في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، وتحول الجبهة الشرقية في الحلف إلى منطقة استنزاف استراتيجي مفتوحة.
وأشار بايرام إلى أن موسكو تعتبر أن في توسع الناتو تهديدا وجوديا فيما يرى الحلف أن روسيا خطر طويل الأمد ليس فقط عسكريا بل عبر أدوات الحرب الهجينة و الهجمات السيبرانية والتضليل الإعلامي والضغط الطاقوي وفي موازة ذلك تبرز الصين كعامل جديد في معاداة الأمن الأطلسي وعلى الرغم من أن بكين ليست من مسرح الأمن الأوروبي التقليدي لكنها باتت حاضرة بقوة في الحسابات الاستراتيجية خصوصا عبر شركاتها المتنامية مع موسكو وتحركاتها في مناطق حساسة مثل القطب الشمالي؛ وهو ما دفع الناتو لتوسيع تعريف التهديد من حلف يواجه خصما واحدا إلى تحالف يجد نفسه أمام مواجهة متعددة المحاور.
واستطرد بايرام أن الناتو ليس مهددا بالانهيار الفوري ولكنه يمر بأصعب اختبار تماسك في تاريخه الحديث حيث إن اختلاف الأولويات بين الولايات المتحدة وأوروبا وتباين الرؤى حول روسيا والصين وتصاعد أهمية القطب الشمالي وتحول الحروب إلى الفضاء السيبراني والمجالات غير التقليدية، تضغط على بنية الناتو وتجبره على إعادة تعريف نفسه.
واعتبر بايرام أن الناتو لم يعد الحلف ذاته الذي عرف جيدا في الحرب الباردة، فهو اليوم أمام مفترق طرق، إما أن ينجح في إعادة بناء توافق حقيقي استراتيجي بين أعضائه وتحديث أدوات المواجهة أو أن يكون في مراحل تآكل تدريجي، حتى لا يدخل تحت التفكك الرسمي.