تزامنت زيارة وفد عسكري رفيع من حلف شمال الأطلسي إلى كييف، مع مستجدات سياسية وعسكرية وظروف حساسة، وترافقت مع نقاشات تفصيلية حول إشراك القوات الأوكرانية في مناورات الحلف، وتوسيع عمل مراكز التدريب والتحليل والتعليم المشتركة.
هذا الحراك العسكري يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق خلال الفترة الحالية التي تشهد توقف في مسار المفاوضات حول إنهاء الحرب في أوكرانيا بين موسكو وكييف برعاية أمريكية.
الوفد الذي زار كييف كان برئاسة الأدميرال بيير فاندير، القائد الأعلى للتحول في حلف شمال الأطلسي، وهو المسؤول داخل الحلف عن تطوير العقيدة العسكرية والتدريب والابتكار العسكري.
ووفق ما أعلنته الرئاسة الأوكرانية، فقد ناقش الجانبان خلال الزيارة إشراك القوات الأوكرانية في مناورات الحلف المقبلة، بما في ذلك مشاركتها في التدريبات العسكرية بصفة "قوة معادية افتراضية"، وهي صيغة تستخدمها جيوش الناتو لاختبار خططها العسكرية في مواجهة خصم يستخدم أساليب قتال مشابهة للجيش الروسي.
وأحد الملفات التي طُرحت خلال الاجتماعات يتعلق بمركز الناتو–أوكرانيا المشترك للتحليل والتدريب والتعليم، المعروف باسم JATEC، وهو مركز أُنشئ بهدف نقل الخبرة القتالية من الحرب الجارية إلى برامج التدريب والتخطيط العسكري.
العمل الجاري بين الناتو وأوكرانيا يتجه نحو إعادة تنظيم وحدات الجيش الأوكراني وفق معايير تشغيلية متوافقة مع جيوش الحلف، ويشمل ذلك أنظمة الاتصال، إدارة النيران، التنسيق بين الأسلحة البرية والجوية، وأساليب التخطيط العملياتي.
كذلك توسعت برامج التدريب المشتركة خلال الفترة الأخيرة لتشمل مستويات قيادية عليا. هذا المسار بحسب تقديرات مراكز تفكير أوروبية يظهر في طبيعة المناورات المقترحة، وفي عمل مركز التحليل والتدريب المشترك، حيث يجري العمل على توحيد المفاهيم القتالية وأنماط إدارة العمليات.
الحرب في أوكرانيا دفعت جيوش الناتو إلى إعادة النظر في أساليب القتال الحديثة، خاصة في مجالات الطائرات المسيّرة، الحرب الإلكترونية، وحرب الخنادق والمدفعية الثقيلة. ويقول مسؤولون عسكريون في الحلف إن الخبرة القتالية الأوكرانية أصبحت جزءًا من عملية تطوير العقيدة العسكرية للناتو، حيث يجري إدخال الدروس المستخلصة من الحرب في برامج التدريب والتخطيط العسكري داخل الحلف.
كذلك اتجهت دول حلف شمال الأطلسي إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية في شرق أوروبا، حيث جرى خلال العامين الماضيين تعزيز القوات في بولندا ودول البلطيق، وزيادة الإنفاق العسكري في عدد من دول الحلف.
في موسكو، يُنظر إلى إعادة تنظيم الجيش الأوكراني وفق معايير الناتو على أنها مسألة أمن قومي مباشرة، لأن التغييرات الجارية تتعلق بشكل القوات العسكرية الموجودة على حدود روسيا في المستقبل. التقدير الروسي ينطلق من أن ظهور جيش كبير مدرب ومسلح وفق منظومة غربية على الحدود الغربية لروسيا سيغيّر البيئة العسكرية المحيطة بها لسنوات طويلة.
التطورات العسكرية الجارية تشير إلى أن الصراع يمكن أن يتجاوز الأراضي الأوكرانية، ليصل إلى شكل الترتيبات الأمنية في أوروبا الشرقية. فإعادة بناء الجيش الأوكراني، وزيادة الوجود العسكري للناتو في دول شرق أوروبا، وتوسيع برامج التدريب والتسليح، كلها عناصر تعيد رسم التوازن العسكري في القارة.
ضمن هذا السياق، تنظر دول أوروبا الشرقية إلى ما يجري على أنه تعزيز للأمن الأوروبي، بينما تنظر موسكو إليه على أنه اقتراب عسكري غربي من حدودها.
برامج التدريب التي تشرف عليها دول الناتو للجيش الأوكراني تعد من أكبر برامج التدريب العسكري في أوروبا منذ نهاية الحرب الباردة. ووفق تقديرات برامج التدريب المشتركة، تم تدريب أكثر من 120 ألف جندي أوكراني في دول الناتو منذ عام 2022، بينما يتلقى ما بين 10 إلى 15 ألف جندي تدريبات بشكل مستمر في مراكز التدريب في أوروبا.
أكبر هذه البرامج هو البرنامج البريطاني المعروف باسم "إنترفليكس"، الذي درّب وحده أكثر من 60 ألف جندي أوكراني منذ بداية الحرب، مع توسيع البرنامج ليشمل تدريب ضباط وقادة وحدات، وليس فقط تدريب المشاة.
كما يجري تنسيق التدريب والتسليح عبر قيادة خاصة أنشأها الحلف لتنسيق المساعدات والتدريب العسكري لأوكرانيا، وتشرف على برامج التدريب والتجهيز والتخطيط العسكري المشترك.
إلى جانب التدريب، تعمل دول أوروبية على تمويل إنتاج الأسلحة داخل أوكرانيا نفسها، خاصة في مجالات الطائرات المسيّرة والذخائر، في إطار خطط لربط الصناعات العسكرية الأوكرانية بالصناعات الدفاعية الأوروبية، وهو مسار يهدف إلى ضمان استمرار تسليح الجيش الأوكراني على المدى الطويل.
كذلك اعتمدت دول أوروبا الشرقية خلال السنوات الماضية، على وجود قوات أمريكية وقوات من الناتو داخل أراضيها ضمن ما يعرف بقوات الردع المتقدمة. التطورات الجارية في أوكرانيا تشير إلى مسار مختلف، حيث يجري العمل على بناء جيش أوكراني كبير ومدرب ومسلح ليؤدي دور قوة عسكرية متقدمة على الحدود الشرقية لأوروبا.
هذا التحول يغير طبيعة الانتشار العسكري في المنطقة، حيث تصبح أوكرانيا نفسها جزءًا من منظومة الردع العسكرية في شرق أوروبا، من خلال جيش كبير يرتبط بالتدريب والتسليح والتخطيط العسكري مع دول الحلف.
إعادة تنظيم الجيش الأوكراني وفق معايير الناتو تؤثر مباشرة في التوازن العسكري في أوروبا الشرقية، حيث يتشكل على حدود روسيا جيش كبير يعمل وفق منظومة غربية في التدريب والتسليح والتخطيط. هذا الواقع يفرض معادلات عسكرية جديدة في المنطقة، ويجعل من أوكرانيا ركنًا أساسيًا في البنية الدفاعية الممتدة من بحر البلطيق إلى البحر الأسود.
التطورات الميدانية خلال الحرب سرعت هذا المسار، ومع مرور الوقت يتحول التنسيق العسكري إلى بنية ثابتة ضمن النظام الأمني الأوروبي.
كذلك فإن إعادة تنظيم الجيش تجري في وقت لا يزال فيه انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي موضوعًا سياسيًا معقدًا داخل الحلف، في ظل التخوف من توسع الحرب أو انتقالها إلى مواجهة مباشرة مع روسيا.
في هذا الإطار، يتجه التعاون بين الطرفين نحو توسيع برامج التدريب والتسليح والتخطيط العسكري، وهو مسار يعزز الارتباط العسكري بين الجانبين على المدى الطويل، ويمنح أوكرانيا موقعًا متقدمًا داخل البنية العسكرية الأوروبية.