تتجه إيران، تحت ضغط الضربات العسكرية المتواصلة والاختراقات الاستخبارية الواسعة، إلى تشديد قبضتها الأمنية في الداخل بشكل غير مسبوق، في محاولة لاحتواء ما يبدو أنه أحد أخطر الاختراقات الأمنية في تاريخ النظام الإيراني.
فقد أعلنت السلطات الإيرانية اعتقال نحو 500 شخص بتهم التعاون مع “أعداء البلاد” أو تسريب معلومات استخبارية مرتبطة بالضربات التي استهدفت مواقع عسكرية وأمنية داخل البلاد، وفق ما نقلته وسائل إعلام دولية عن تصريحات لقائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان.
وتشير التقارير إلى أن جزءاً من هؤلاء الموقوفين متهمون بإرسال معلومات وصور لمواقع عسكرية حساسة أو بالتواصل مع جهات خارجية.
هذه الاعتقالات الواسعة تعكس حالة ارتباك متزايدة داخل النظام الإيراني، الذي بات يواجه ضغوطاً عسكرية واستخبارية غير مسبوقة، بعد نجاح الضربات الأمريكية والإسرائيلية في الوصول إلى مواقع حساسة داخل العمق الإيراني.
اختراقات في قلب النظام
يرى الباحث في مركز الشرق الأوسط، العميد موسى القلاب، أن ما جرى خلال هذه الحرب يكشف عن اختراق استخباري واسع وعميق داخل الدولة الإيرانية.
ويقول القلاب في حديث لـ"إرم نيوز": "حجم الاختراقات الاستخبارية كبير جداً ويمتد إلى مستويات متعددة داخل إيران، من القيادة السياسية والعسكرية إلى المؤسسات الأمنية وحتى بعض الدوائر النخبوية".
ويضيف الخبير العسكري الأردني، أن هذا المستوى من الاختراقات يدفع النظام الإيراني بطبيعته إلى تشديد القبضة الأمنية بشكل حاد، ما يعني أن البلاد تتجه نحو حالة من الانغلاق الأمني المتزايد.
وبحسب القلاب، فإن هذا المسار قد يقود إلى تضييق واسع على المدنيين وتصاعد غير مسبوق في الإجراءات الأمنية، وهو ما قد يخلق حالة توتر داخلي قد تصل إلى حد الانفجار الأمني.
صعود الدولة الأمنية
رغم الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران، تشير تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن النظام الإيراني لا يزال متماسكاً في الوقت الراهن.
لكن هذا التماسك لا يعني استقراراً سياسياً، بل يعكس - وفق مراقبين - تحولاً متزايداً نحو نموذج الدولة الأمنية.
ويؤكد القلاب أن المؤسسات السياسية داخل إيران تبدو اليوم أضعف بكثير من المؤسسات العسكرية والأمنية، وهو ما يعني أن الحرس الثوري والأجهزة الأمنية مرشحان لتعزيز نفوذهما داخل النظام بشكل أكبر خلال المرحلة المقبلة.
ويقول إن هذا التحول قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوة داخل إيران، بحيث تصبح المؤسسات الأمنية والعسكرية هي اللاعب الرئيس في إدارة الدولة.
سيناريوهات أكثر خطورة
في استشرافه لمآلات هذا المسار، يحذر القلاب من أن استمرار الضغوط العسكرية والاختراقات الأمنية قد يدفع إيران إلى سيناريوهات أكثر خطورة.
فبحسب تقديره، قد تتجه الأزمة الإيرانية إلى أحد احتمالين رئيسين: إما تصعيد أمريكي مباشر - عسكرياً وسياسياً وأمنياً - بهدف تغيير موازين القوى داخل إيران، أو انزلاق البلاد إلى حالة اضطراب داخلي عميق قد تتطور إلى صراع أهلي واسع.
ويرى أن مثل هذا السيناريو قد يترافق مع ظهور جماعات متطرفة وتنظيمات مسلحة متعددة الاتجاهات في حال تراجعت قدرة الدولة على السيطرة الأمنية.
حرب في الخارج وخوف في الداخل
في المحصلة، تكشف الاعتقالات الواسعة وتشديد الإجراءات الأمنية أن إيران تخوض اليوم حرباً مزدوجة: مواجهة عسكرية في الخارج، وأزمة ثقة متفاقمة داخل مؤسساتها الأمنية والسياسية.
وبالتالي، فإن القيادة الإيرانية، التي تحاول احتواء الضربات العسكرية، تدفع بالمقابل ثمنا داخليا، عبر تحول البلاد تدريجياً إلى دولة أكثر انغلاقاً وأشد اعتماداً على القبضة الأمنية لقمع أي تصدع داخلي.
يعتقد مراقبون ومنهم القلاب أن النظام الإيراني، الذي بنى قوته لعقود على الأجهزة الأمنية والحرس الثوري، قد يجد نفسه اليوم مضطراً إلى الاعتماد على هذه الأدوات أكثر من أي وقت مضى للحفاظ على بقائه في مواجهة ضغوط داخلية وخارجية تتزايد يوماً بعد يوم.