اتهمت الولايات المتحدة هذا الشهر الصين بإجراء تجربة نووية سرية في يونيو 2020، في خطوة اعتبرها مراقبون أحدث اختبار للنظام العالمي للحد من التسلح الذي بدأ يتفكك بالفعل.
وجاءت هذه الاتهامات بعد يوم واحد من انتهاء معاهدة ستارت الجديدة بين واشنطن وموسكو، وفي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لإدراج الصين في إطار جديد للحد من التسلح النووي.
ووفقًاً لوكالة رويترز، قال وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الحد من التسلح، توماس دينانو، إن الصين أجرت "اختبارًا واحدًا على الأقل منتجًا للعائد" واستخدمت تقنية "فك الارتباط" لتقليل الإشارات الزلزالية، بما يُخفي حجم الانفجار جزئيًّا.
وتشير هذه التقنية إلى تفجير جهاز نووي في تجويف تحت الأرض لتوجيه الطاقة إلى ضغط الهواء؛ ما يجعل التجربة تبدو أصغر من الواقع.
من جهتها، رفضت بكين الاتهامات ووصفها مبعوثها شين جيان بأنها "روايات كاذبة"، محذرة من أن الولايات المتحدة تُفاقم سباق التسلح. كذلك، أكدت منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية أن شبكتها لم ترصد أي انفجار يتوافق مع الادعاء الأمريكي.
يطرح توقيت الإعلان الأمريكي أسئلة حول الدوافع الحقيقية؛ فقد لوحظ أن الولايات المتحدة كانت تمتلك مؤشرات على هذه التجربة منذ عام 2020، لكن الإعلان جاء فقط بعد انتهاء معاهدة ستارت، ربما كجزء من إستراتيجية للضغط على الصين.
ويرى بعض المحللين أن الاتهام يهدف إلى خلق مبرر سياسي وإستراتيجي لإعادة النظر في التجارب النووية الأمريكية، بما يشمل الاستعداد لإجراء تجارب تحت الأرض للمرة الأولى منذ عام 1992، ونشر أسلحة نووية جديدة، وتعزيز برامج تحديث الترسانة النووية.
كما يُشير الباحثان جاك بورنهام وأندريا ستريكر إلى أن الاتهامات الأمريكية ليست مجرد تحديد لحقائق تاريخية، بل تعكس استعداد واشنطن لتوسيع قواتها النووية إذا فشلت السيطرة على التسلح، مع توجيه رسالة إستراتيجية للخصوم حول عزم الولايات المتحدة وقدرتها على الردع.
تقدر الولايات المتحدة أن الصين تمتلك نحو 600 رأس نووي، أي نحو عُشر مخزونات الولايات المتحدة وروسيا، وتسعى بكين لتعزيز قدرتها النووية الردعية قبل الانضمام إلى أي إطار جديد للحد من التسلح.
ومن وجهة نظرها، فإن الانضمام إلى معاهدات، مثل: ستارت الجديدة قبل الوصول إلى مستوى متوازن مع واشنطن وموسكو سيُرسّخ تخلفها الإستراتيجي.
على الصعيد الفني، تمتلك الولايات المتحدة منشآت متقدمة لاختبار الرؤوس النووية، بينما تبني الصين مرافق مماثلة ستستغرق بضع سنوات لإتمامها، أما روسيا فلا تمتلك هذه القدرة حاليًّا.
ويرى خبراء أن الاستعداد الأمريكي لإعادة التجارب أو التهديد بها قد يخلق دورة من الاتهامات والتجارب المتبادلة؛ ما يزيد المخاطر على الأمن العالمي ويضعف مصداقية معايير الحد من التسلح.
وتؤكد التحليلات أن تجنب سباق نووي كارثي لا يعتمد على عدد الأسلحة أو التجارب فقط، بل على الشفافية والقدرة على التنبؤ المتبادل.
ويشير تقرير لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن الاتهامات غير المثبتة قد تقوض ثقة الدول ببعضها وتضعف التعاون الدولي في مجال الحد من التسلح.
وفي الوقت نفسه، تشير اتفاقيات التفاهم بين الولايات المتحدة وروسيا لمواصلة الالتزام بممارسات الشفافية بعد انتهاء صلاحية معاهدة ستارت الجديدة إلى أن الإفصاح والتحقق المتبادل يظلان أدوات أساسية لضمان الاستقرار النووي.
وبذلك، يمكن القول إن الربط بين الادعاءات المزعومة والخلافات السياسية قد يهدد النظام الذي حافظ على الأمن النووي لعقود، بينما الشفافية تبقى السبيل الأنجع لمنع تصاعد التنافس النووي إلى كارثة.