بعد يوم من تنفيذ القوات الأمريكية عملية خاصة انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بدأت تتكشف بعض التفاصيل حول استراتيجية واشنطن للمرحلة اللاحقة في البلاد.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن الإدارة الأمريكية بدأت البحث عن خليفة لمادورو في الحكم، منذ أواخر ديسمبر، حين رفض إنذارًا من ترامب بالتنحي عن منصبه والذهاب إلى منفى فاخر في تركيا.
وأضافت الصحيفة أن رأي مسؤولي البيت الأبيض وبعد أسابيع من المناقشات استقر على مرشح مقبول ليحل محل مادورو، على الأقل في الوقت الحالي، ولم يكن ذلك الشخص سوى نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز، التي أبهرت مسؤولي ترامب بإدارتها لصناعة النفط الحيوية في فنزويلا.
ونقلت الصحيفة عن الأشخاص المشاركين في المناقشات أن الوسطاء أقنعوا الإدارة بأن "ديلسي" ستحمي وتدعم استثمارات الطاقة الأمريكية المستقبلية في البلاد.
وقال مسؤول أمريكي رفيع المستوى، في إشارة إلى رودريغيز: "لقد كنت أتابع مسيرتها المهنية لفترة طويلة، لذلك لدي فكرة عن هويتها وما هي عليه"، مضيفًا "أنا لا أدعي أنها الحل الدائم لمشاكل البلاد، لكنها بالتأكيد شخص نعتقد أنه يمكننا العمل معه على مستوى احترافي أكثر بكثير مما كنا قادرين على فعله مع مادورو".
وتضيف "نيويورك تايمز"، لقد كان الاختيار سهلًا، كما تقول المصادر، إذ لم يكن ترامب يومًا ودودًا مع زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، التي قادت حملة رئاسية ناجحة عام 2024، وحصلت بفضلها على جائزة نوبل للسلام هذا العام، ومنذ إعادة انتخاب ترامب، بذلت ماتشادو قصارى جهدها لإرضائه، واصفةً إياه بـ"بطل الحرية"، ومقلدةً حججه حول تزوير الانتخابات في الولايات المتحدة، بل وأهدت جائزة السلام التي فازت بها إليه.
ووفق التقرير، فقد كانت أحلام زعيمة المعارضة في مهب الريح، حيث أعلن ترامب اليوم السبت، أنه سيقبل بالسيدة رودريغيز رئيسة، قائلًا إن ماتشادو تفتقر إلى "الاحترام" اللازم لحكم فنزويلا.
يقول مسؤولون أمريكيون إن علاقتهم مع حكومة ديلسي رودريغيز المؤقتة ستعتمد على مدى التزامها بقواعدهم، مضيفين أنهم يحتفظون بحقهم في اتخاذ إجراءات عسكرية إضافية إذا لم تحترم مصالح أمريكا، وعلى الرغم من إدانة السيدة رودريغيز العلنية للهجوم، صرّح مسؤول أمريكي رفيع المستوى بأنه من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات حول نهجها، وأن الإدارة لا تزال متفائلة بإمكانية التعاون معها.
يأتي ذلك في وقت أكد فيه ترامب أن الولايات المتحدة تعتزم "إدارة" فنزويلا لفترة غير محددة واستعادة مصالحها النفطية، وهو تأكيد غير مسبوق على قوة توسعية أحادية الجانب بعد نقاشات أضيق نطاقًا، ومثيرة للجدل أيضًا، حول وقف تدفق المخدرات، حسب "نيويورك تايمز".
ويؤكد التقرير أن إدارة ترامب ستتعامل مع زعيمة حكومة وصفتها بشكل روتيني بأنها غير شرعية، بينما تتخلى عن ماتشادو، التي فازت حركتها في الانتخابات الرئاسية العام الماضي في نصر معترف به على نطاق واسع بأنه مزور من قبل مادورو.
ولم يتضح على الفور ما إذا كانت رودريغيز ستوافق على ذلك، ففي خطاب متلفز، اتهمت الولايات المتحدة بغزو غير شرعي وأكدت أن مادورو لا يزال الزعيم الشرعي لفنزويلا.
وقال مسؤولون أمريكيون كبار إن القيود المفروضة على صادرات النفط الفنزويلية ستظل سارية في الوقت الحالي للحفاظ على النفوذ.
لكن آخرين ممن شاركوا في المحادثات أعربوا عن أملهم في أن تتوقف الإدارة عن احتجاز ناقلات النفط الفنزويلية وأن تصدر المزيد من التصاريح للشركات الأمريكية للعمل في فنزويلا من أجل إنعاش الاقتصاد ومنح رودريغيز فرصة لتحقيق النجاح السياسي.
وتصل رودريغيز، البالغة من العمر 56 عامًا، إلى منصب الزعيمة المؤقتة لفنزويلا بمؤهلات خبيرة في حل المشكلات الاقتصادية، حيث قامت بتنظيم تحول البلاد من الاشتراكية الفاسدة إلى رأسمالية عدم التدخل الفاسدة بالمثل، كما أنها ابنة مقاتل ماركسي اشتهر باختطاف رجل أعمال أمريكي، وتلقت جزءًا من تعليمها في فرنسا، حيث تخصصت في قانون العمل.
شغلت مناصب حكومية متوسطة في حكومة سلف مادورو، هوغو تشافيز، قبل أن تتم ترقيتها إلى أدوار أكبر بمساعدة شقيقها الأكبر خورخي رودريغيز، الذي أصبح في النهاية كبير الاستراتيجيين السياسيين لمادورو.
وبحسب "نيويورك تايمز"، نجحت رودريغيز في تحقيق الاستقرار للاقتصاد الفنزويلي بعد سنوات من الأزمة، ونجحت في زيادة إنتاج النفط في البلاد ببطء، ولكن بثبات وسط تشديد العقوبات الأمريكية، وهو إنجاز أكسبها حتى الاحترام المتردد من بعض المسؤولين الأمريكيين.
كما عززت رودريغيز سيطرتها على السياسة الاقتصادية وأقصت المنافسين، حيث قامت ببناء جسور مع النخب الاقتصادية في فنزويلا والمستثمرين الأجانب والدبلوماسيين، الذين قدمت نفسها لهم على أنها تكنوقراطية هادئة تناقض مسؤولي الأمن الأشداء الذين يشكلون معظم الدائرة المقربة للرئيس الفنزويلي المطاح به.
وقد أثمرت تلك التحالفات في الأشهر الأخيرة، إذ حظيت بدعم قوي ساهم في ترسيخ وصولها إلى السلطة، اليوم الأحد، والذي قوبل بتفاؤل حذر من قبل بعض كبار رجال الأعمال في فنزويلا، الذين صرحوا في جلسات خاصة بأنها تمتلك المهارات اللازمة لتحقيق النمو، إذا ما استطاعت إقناع الولايات المتحدة بتخفيف قبضتها على اقتصاد البلاد.