logo
العالم

التحرك نحو الصين.. ألمانيا تعيد ترتيب حسابات القوة خارج الإطار الأوروبي

العلمان الصيني والألمانيالمصدر: (أ ف ب)

يحمل تحرك المستشار الألماني فريدريش ميرتس نحو بكين طابعًا سياسيًا مباشرًا، مرتبطًا بإدارة المصالح الاقتصادية الألمانية في بيئة دولية متقلبة.

ويعكس القرار توجهًا عمليًا داخل دوائر الحكم في برلين يقوم على التعامل مع الصين كعنصر فاعل في استقرار الاقتصاد الألماني.

وتأتي الزيارة في مرحلة يواجه فيها الاقتصاد الألماني تحديات إعادة التموضع، نتيجة تغيّر السياسات التجارية العالمية وتراجع هامش اليقين في الأسواق التقليدية. الصين تشغل موقعًا مركزيًا في هذا السياق، ونظرًا لحجم التبادل التجاري وتشابك سلاسل الإمداد، ما يفرض على برلين الانخراط المباشر مع بكين لضبط شروط العلاقة الاقتصادية وحماية القطاعات الصناعية التي تعتمد على السوق الصينية في الإنتاج والتصدير والاستثمار.

أخبار ذات علاقة

المستشار الألماني فريدريش ميرتس

ألمانيا.. إعادة انتخاب ميرتس رئيساً للحزب المسيحي الديمقراطي

أحدث أرقام التجارة الخارجية الألمانية تُظهر أن الصين تفوقت على الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري لألمانيا في عام 2025، بنحو 251 مليار يورو في التبادل التجاري، مع فائض في الواردات الصينية. تأتي هذه الأرقام بينما يستعد المستشار الألماني لمباحثات مع كبار القادة الصينيين، وعلى رأسهم الرئيس شي جينبينغ، حول العلاقات الاقتصادية والصناعية.

وقبل الزيارة بأيام، أصدرت لجنة آسيا–المحيط الهادئ في اتحاد الأعمال الألماني وثيقة رسمية تحذّر من ممارسات صينية تؤدي إلى اختلالات في السوق عبر فائض الطاقة الإنتاجية، ودعم حكومي واسع، وتحكم سياسي في التصدير، ما يزيد الاعتماد على الصين ويشكل "تهديدًا للاستقرار الاقتصادي الأوروبي".

وفي خطاب أمام حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، كرّر المستشار الألماني التأكيد على أهمية العلاقات الاقتصادية مع الصين، محذرًا من التوقعات المبالغ فيها بشأن نوايا بكين تجاه النظام التجاري العالمي، وأشار إلى الحاجة لتعزيز العلاقات مع شركاء متعددي الاتجاهات، بما في ذلك الصين، في مواجهة التحولات الكبرى في النظام الدولي.

العناصر الأرضية النادرة والرقائق الإلكترونية تحتل موقعًا أساسيًا في النقاشات الجارية، حيث ترتبط هذه المواد مباشرة بقدرة الصناعة الألمانية على الحفاظ على تنافسيتها في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والتحول الصناعي. إدارة هذا الملف تتجاوز البعد التجاري، وتمس جوهر التخطيط الصناعي الألماني، إذ يجري البحث عن صيغ تضمن استقرار التوريد وتقلّل من الهشاشة في مراحل الإنتاج الحرجة.

كذلك، يرافق الانخراط الاقتصادي الواسع مع الصين اهتمام متزايد بقضايا الأمن الصناعي والرقمي، إذ تنظر المؤسسات الألمانية المعنية بالأمن إلى العلاقة من زاوية حماية البنية التحتية التكنولوجية والمعرفية.

هامش المناورة الألماني في السياق الأوروبي

زيارة ميرتس تندرج ضمن سعي ألماني لتوسيع هامش الحركة الاقتصادية، مع الحفاظ على موقع ألمانيا داخل الترتيبات الغربية القائمة. السياسة الألمانية في هذا الإطار تعتمد على تنويع الشراكات الاقتصادية وتعزيز القدرة على المناورة في مواجهة السياسات التجارية المتغيرة للقوى الكبرى، وهو توجه يعكس قراءة واقعية لمكانة ألمانيا كقوة صناعية تعتمد على الانفتاح التجاري واستقرار الأسواق.

وتجري الزيارة الألمانية بينما تستعد أوروبا لدورة انتخابية حساسة على مستوى البرلمان الأوروبي، يتصدر فيها خطاب الحماية الاقتصادية والدفاع عن الصناعة المحلية برامج قوى سياسية وازنة. هذا المناخ الانتخابي يضغط على الحكومات الأوروبية، ومنها برلين، لإظهار قدرة عملية على حماية القطاعات الصناعية من المنافسة الخارجية، وخاصة القادمة من الصين.

وشهدت الأسابيع الأخيرة نقاشات متقدمة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول تفعيل أدوات دفاع تجاري أكثر حزمًا، بما في ذلك آليات مكافحة الإغراق والرقابة على الاستثمارات الأجنبية. هذه النقاشات تشكّل خلفية مباشرة لأي تحرك ألماني تجاه الصين، إذ تحاول برلين التأثير في مسار العلاقة الثنائية قبل أن تتبلور سياسات أوروبية أكثر صرامة تحدّ من هامش المناورة لاحقًا.

غياب المقاربة الأوروبية الموحدة

الباحثة يانكا أورتيل، مديرة برنامج آسيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، تشير  إلى أن زيارة المستشار الألماني إلى بكين تعبّر عن تحوّل عملي داخل النخبة السياسية الألمانية في مقاربة العلاقة مع الصين، حيث لم تعد برلين تتعامل مع الملف الصيني من منظور طويل الأمد، وإنما من زاوية إدارة مخاطر آنية تتعلق بالصناعة والاستثمار.

وترى أورتيل في حديثها لـ"إرم نيوز"، أن القيادة الألمانية باتت تنظر إلى الصين كسوق يجب ضبط شروط التعامل معها، لافتة إلى أن مشاركة كبار رجال الأعمال في الوفد يعكس قلقًا متزايدًا داخل القطاع الصناعي الألماني من تقلص هوامش الحركة في السوق الصينية بفعل التغيرات التنظيمية والمنافسة المحلية. هذا القلق يدفع برلين إلى البحث عن تفاهمات تشغيلية محددة، مع التركيز على استقرار العقود وسلاسل التوريد بدل الرهانات الاستراتيجية بعيدة المدى.

وأضافت أن ألمانيا تحاول تثبيت دورها كفاعل أوروبي قادر على التحدث مع الصين بلغة المصالح، في وقت لا يزال فيه الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى مقاربة موحّدة وقابلة للتنفيذ. هذا الفراغ الأوروبي يمنح برلين هامش تحرك مؤقتًا، لكنه يضاعف مسؤوليتها السياسية في إدارة العلاقة دون إنتاج اختلالات جديدة داخل أوروبا نفسها.

القلق الأوروبي من آسيا

من جانبه، أشار الباحث والمحلل السياسي غالب دالاي، المتخصص في العلاقات الدولية، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، إلى أن التحرك الألماني نحو الصين يعكس انتقالًا تدريجيًا من إدارة العلاقات عبر الأطر الأوروبية الجماعية البطيئة إلى المبادرات الوطنية المحسوبة.

ويعبّر هذا التحرك عن إدراك ألماني بأن مراكز الثقل الاقتصادي لم تعد تنتظر توافقًا أوروبيًا كاملًا كي تتحرك، خاصة عند تعرض مصالحها الصناعية لضغوط مباشرة.

وأضاف دالاي أن ألمانيا تتعامل مع الصين كعامل ثابت في بنية الاقتصاد العالمي، لا كمتحول يمكن احتواؤه عبر أدوات سياسية تقليدية، مؤكدًا أن التحرك الألماني يعكس أيضًا قلقًا أوروبيًا من فقدان القدرة على التأثير في آسيا، في ظل توسّع أدوار قوى أخرى. من هذه الزاوية، لا تبدو الزيارة مرتبطة بالصين وحدها، وإنما بموقع أوروبا نفسه في النظام الدولي، وسعي ألمانيا لتثبيت دور قيادي عملي ضمن هذا التحول.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC