الكرملين: روسيا ليست وسيطا بشأن إيران لكننا مستعدون للمساعدة إذا لزم الأمر
أفادت صحيفة "التايمز" البريطانية بأن المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران عاد إلى نقطة التوتر سريعًا، بعد ساعات فقط من مؤشرات انفراجة، في تطور يعكس فجوة واضحة بين التصريحات السياسية والوقائع الميدانية، ويطرح تساؤلات حول قدرة الطرفين على تثبيت أي اتفاق مستدام.
وبحسب الصحيفة، فإنه بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مضيق هرمز سيبقى مفتوحًا "دون إغلاق مجددًا"، عادت التطورات لتسير في الاتجاه المعاكس، مع تقارير عن إغلاقه بأوامر من "الحرس الثوري الإيراني"؛ ما يعكس استمرار التوتر رغم الحديث عن تقدم في المفاوضات.
وذكرت "التايمز" أن فريق التفاوض الأمريكي يتجه إلى إسلام آباد في محاولة لإعادة إطلاق المحادثات مع طهران، ضمن مساعٍ لبناء إطار جديد للعلاقات بين الطرفين. إلا أن هذا المسار لا يزال محفوفًا بتعقيدات متعددة، تتجاوز البعدين الثنائيين لتشمل حسابات إقليمية أوسع، من بينها مواقف إسرائيل ولبنان ودول الخليج.
ويعكس هذا التشابك تعدد مراكز التأثير في الملف، حيث لا تقتصر المفاوضات على قنوات مباشرة، بل تتأثر بشبكة من المصالح والتوازنات التي تعقّد الوصول إلى اتفاق نهائي.
وتشير الصحيفة إلى أن أحد أبرز عوامل عدم اليقين يتمثل في غياب مركز قرار واضح داخل إيران عقب مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي؛ ما أوجد حالة من التداخل بين المؤسسات السياسية والعسكرية.
وتُظهر التقديرات أن شخصيات بارزة في "الحرس الثوري" تمسك بزمام القرار الفعلي، في حين يواجه مسؤولون مدنيون، مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، قيودًا تحدّ من قدرتهم على اتخاذ قرارات مستقلة، خاصة في الملفات الحساسة مثل مضيق هرمز والبرنامج النووي.
وقد برز هذا التباين بوضوح عندما أعلن عراقجي أن المضيق مفتوح، قبل أن تتعرض تصريحاته لانتقادات حادة من وسائل إعلام مقربة من "الحرس الثوري"، في مؤشر على تضارب داخلي في إدارة الملف.
وأكدت التايمز أن أجواء التفاؤل التي رافقت التصريحات الأمريكية تخفي وراءها خلافات عميقة، خصوصًا في ملف تخصيب اليورانيوم.
وتتمحور إحدى نقاط الخلاف حول مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي يُقدّر بنحو 440 كيلوغرامًا بنسبة تخصيب تصل إلى 60%، حيث تطالب واشنطن بنقله خارج البلاد، بينما تقترح طهران تخفيض نسبة التخصيب أو بقاءه تحت إشراف دولي.
غير أن هذه الطروحات لا تزال غير مقبولة أمريكيًا، نظرًا لإمكانية إعادة رفع نسبة التخصيب بسرعة في حال استئناف النشاط النووي؛ ما يبقي المخاوف الأمنية قائمة.
كما لفتت الصحيفة إلى أن مضيق هرمز يبقى محورًا رئيسًا للخلاف، ليس فقط من حيث إعادة فتحه، بل أيضًا في آليات تشغيله.
فبينما تسعى الولايات المتحدة لضمان مرور حر للسفن التجارية، تشير تقديرات إلى أن إيران قد تسعى لفرض ترتيبات تشغيلية تمنحها نفوذًا ميدانيًا، مثل التحكم بالممرات أو فرض رسوم عبور، وهو ما يفسر تراجع عدد من السفن عن دخول المضيق رغم مؤشرات أولية على إعادة فتحه.
وفي المقابل، تفترض طهران أن أي اتفاق يجب أن يتضمن تخفيف القيود المفروضة على موانئها وصادراتها النفطية، وهو ما لا يبدو أن واشنطن مستعدة لتقديمه في المرحلة الحالية.
وبحسب ما أوردته التايمز، تعكس الأزمة الحالية صراعًا بين ثلاث روايات متباينة حول نتائج المواجهة الأخيرة.
ففي حين ترى الولايات المتحدة أن الضربات العسكرية أضعفت إيران بشكل كبير وتسعى إلى ترجمة ذلك إلى مكاسب سياسية، يعتبر "الحرس الثوري" أن مجرد الصمود ومنع تغيير النظام يمثل انتصارًا استراتيجيًا، مع إبراز قدرة طهران على تهديد الملاحة في هرمز كورقة ضغط فعالة.
أما داخل إيران، فتبرز مقاربة أكثر توازنًا تعترف بتفوق الولايات المتحدة من حيث الموارد، لكنها ترى في التهدئة فرصة لإعادة ترتيب المكاسب دون الانزلاق إلى تصعيد جديد.
وتشير الصحيفة إلى تصاعد المخاوف من عودة المواجهة، في ظل وجود أطراف داخلية في كلا الجانبين تدفع نحو التصعيد.
وتراهن الولايات المتحدة على استمرار الضغوط الاقتصادية لإضعاف الداخل الإيراني، في حين يعتقد "الحرس الثوري" أن واشنطن لن تغامر بتصعيد جديد بسبب تداعياته على الاقتصاد العالمي.
لكن هذا التقدير المتبادل قد يكون محفوفًا بالمخاطر، خاصة مع استمرار الحشد العسكري في المنطقة، بما في ذلك إرسال تعزيزات بحرية أميركية إضافية؛ ما يشير إلى أن خيار القوة لا يزال مطروحًا.
ومع توجه الوفود إلى باكستان، تبدو الجولة المقبلة من المحادثات اختبارًا حاسمًا لقدرة الطرفين على تجاوز فجوات الثقة وتضارب التوقعات.
غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن الطريق لا يزال طويلًا، في ظل استمرار الخلافات الجوهرية وتعدد مراكز القرار؛ ما يجعل أي تقدم عرضة للانتكاس في أي لحظة.
وفي ضوء ذلك، تخلص التايمز إلى أن أزمة هرمز لم تعد مجرد ملف تفاوضي، بل أصبحت انعكاسًا مباشرًا لتوازنات أوسع، تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع حسابات القوة والاقتصاد، في مشهد يعكس تعقيد المرحلة التي تمر بها المنطقة.