أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حملة قانونية غير مسبوقة ضد مؤسسات إعلامية كبرى، في خطوة يرى خبراء قانونيون، أنها قد تختبر حدود حرية الصحافة وتعيد صياغة العلاقة بين البيت الأبيض ووسائل الإعلام الوطنية، وفقًا لصحيفة "واشنطن تايمز".
ومنذ عام 2024، رفع ترامب دعاوى ضد 8 شركات إعلامية مطالبًا بتعويضات إجمالية تصل إلى 65 مليار دولار، وفي دعوى منفصلة، يقاضي دائرة الإيرادات الداخلية (IRS)، بسبب تسريب إقراراته الضريبية إلى صحيفة "نيويورك تايمز".
حتى الوقت الراهن، تمّت تسوية قضيتين بمبالغ قُدّرت بعشرات الملايين من الدولارات، فيما لا تزال 7 دعاوى أخرى منظورة أمام المحاكم الفدرالية، كما أعلن ترامب أن دعاوى إضافية قد تكون في الطريق.
ولم يرفع ترامب دعاوى تتعلق بـ"التحيّز الإعلامي" خلال ولايته الأولى، إلا أنه، بعد خروجه من المنصب، تقدّم بـ4 دعاوى منفصلة: اثنتان ضد صحيفة "نيويورك تايمز"، وواحدة ضد شبكة "سي إن إن"، وأخرى ضد صحيفة "واشنطن بوست"، وجميعها رُفضت.
غير أن نهجه في ولايته الثانية يعكس تصعيدًا واضحًا، إذ وصف المؤرخ كريغ شيرلي المسار بأنه غير مسبوق، مشيرًا إلى أنه لا يتذكر رئيسًا أمريكيًا سبق أن لجأ شخصيًا إلى القضاء لملاحقة ما اعتبره إساءات إعلامية.
وقال شيرلي إن حجم الهجمات الإعلامية على ترامب، بحسب وصفه، يفسّر هذا التحول في النهج القانوني.
وتُعدّ قضايا التشهير في القانون الأمريكي من الأصعب بالنسبة للشخصيات العامة، إذ يتعيّن على المدّعي إثبات أن التصريحات كانت كاذبة، وألحقت ضررًا بسمعته، وصَدرت بـ"سوء نية فعلي(actual malice)"، أي مع العلم بكذبها أو بتجاهل متهور للحقيقة.
وبحسب صحيفة "واشنطن تايمز"، اعتبر جيمس تراستي، المدعي العام الفدرالي السابق، أن استراتيجية ترامب قد لا تقتصر على كسب القضايا بقدر ما تهدف إلى الضغط عبر إجراءات "الاكتشاف القضائي"، التي قد تكشف آليات التحرير الداخلية داخل المؤسسات الإعلامية.
في المقابل، ترى منظمات الدفاع عن حرية الصحافة أن هذه الدعاوى تشكّل تهديدًا مباشرًا للتعديل الأول في الدستور الأمريكي، فقد وصف سيث ستيرن، مدير المناصرة في "مؤسسة حرية الصحافة“، بعض القضايا بأنها محاولة لترهيب الإعلام، منتقدًا دعوى ترامب التي تطالب "هيئة الإذاعة البريطانية“ بتعويض قدره 10 مليارات دولار على خلفية مزاعم تحرير مضلل لتصريحاته المتعلقة بأحداث اقتحام مبنى "الكابيتول" في الـ6 من شهر كانون الثاني/يناير 2021.
وأشار ستيرن إلى أن فوز ترامب الساحق في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2024 يضعف حجة تضرر سمعته بفعل تلك التغطيات.
وقد رفض قاضٍ فدرالي في فلوريدا طلب "هيئة الإذاعة البريطانية“ تأجيل مرحلة الاكتشاف، وحدد موعد محاكمة لمدة أسبوعين في فبراير 2027.
وحتى الآن، برزت تسويتان رئيسيتان، حيث وافقت "باراماونت غلوبال"، الشركة الأم لـ"سي بي إس نيوز"، على دفع 16 مليون دولار لتسوية دعوى تتعلق بتحرير مقابلة مع المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس ضمن برنامج "60 دقيقة" خلال حملة 2024، وشمل الاتفاق تغطية رسوم قانونية ومساهمة في مكتبة رئاسية مستقبلية.
ولاحقًا، أعلنت شبكة "سي بي إس" أنها ستبث بعض المقابلات مباشرة أو من دون مونتاج، مشيرة إلى "تغذية راجعة من الجمهور"، وذلك بعد جدل إضافي بشأن تحرير مقابلة مع وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم.
كما وافقت شبكة "إيه بي سي نيوز" في شهر كانون الأول/ديسمبر 2024 على دفع 15 مليون دولار لتسوية دعوى تشهير بعد أن صرّح المذيع جورج ستيفانوبولوس بأن هيئة المحلفين وجدت ترامب "مسؤولًا عن الاغتصاب" في قضية إي. جين كارول، في حين أن الحكم كان متعلقًا بالاعتداء الجنسي والتشهير، وليس الاغتصاب، وأرفقت الشبكة ملاحظة تحريرية أعربت فيها عن الأسف.
ومع ذلك، أكدت الصحيفة عدم ظهور مؤشرات على تغييرات هيكلية واسعة في سياسات التحرير لدى المؤسسات الإعلامية الكبرى.
إلى جانب الدعاوى التي طالت "إيه بي سي نيوز" و"سي بي إس نيوز" وهيئة الإذاعة البريطانية، تمتد المواجهة القانونية إلى مؤسسات وهيئات أخرى في المشهد الإعلامي الأمريكي.
ورفع ترامب دعوى ضد مجلس ”جائزة بوليتزر“، متهمًا إياه بالتشهير لرفضه سحب جوائز عام 2018 التي مُنحت لكل من صحيفتي ”نيويورك تايمز“ و“واشنطن بوست“ عن تغطيتهما لملف التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية، وهو الملف الذي يصفه ترامب بأنه "مفبرك" وتم دحضه لاحقًا.
كما أقام دعوى ضد صحيفة ”دي موين ريجستر“ وضد الباحثة في استطلاعات الرأي آن سيلزر، على خلفية نشر استطلاع قبل ثلاثة أيام من انتخابات 2024 أظهره متأخرًا في ولاية آيوا.
ويستند ترامب في دعواه إلى أنه فاز لاحقًا بالولاية بفارق 13 نقطة مئوية، معتبرًا أن الاستطلاع خلق "سردية مضللة" أثرت في الناخبين.
وفي سياق متصل، رفع الرئيس دعوى تشهير ضد صحيفة ”وول ستريت جورنال“ بسبب نشرها رسمًا وُصف بأنه موقّع من ترامب وأُهدي إلى جيفري إبستين عام 2003. وينفي ترامب صحة الوثيقة، مؤكدًا أنها مزوّرة ولا تعود إليه.
كذلك تقدّم بدعوى بقيمة 15 مليار دولار ضد دار النشر ”بنغوين راندوم هاوس“، إلى جانب ”نيويورك تايمز“ وأربعة من صحفييها، على خلفية كتاب صدر عام 2024 وتقارير صحافية تناولت مصادر ثروته وطبيعة أعماله، معتبرًا أن ما نُشر تضمّن ادعاءات كاذبة ألحقت ضررًا بسمعته ومكانته العامة.
يرى مؤيدو ترامب أن حتى التسويات المحدودة تمثل "انتصارًا مؤسسيًا" يعيد بعض التوازن بين الرئاسة ووسائل الإعلام، بينما يحذّر منتقدوه من أن المسار الحالي قد يفتح الباب أمام سابقة خطرة تُستخدم فيها الدعاوى القضائية كأداة ضغط سياسي.
وأكدت "واشنطن تايمز" أن هذه المواجهة القانونية، بصرف النظر عمّا إذا كانت ستفضي إلى أحكام قضائية فاصلة أم لا، أعادت فتح نقاش دستوري واسع حول حدود المساءلة الصحافية ومعايير التغطية السياسية.
وأضافت أن القضايا المطروحة لا تتعلق فقط بنزاعات فردية، بل تمسّ جوهر العلاقة بين حرية التعبير وحق الشخصيات العامة في حماية سمعتها، في سياق أمريكي يتسم باستقطاب سياسي وإعلامي متصاعد.