تتشكل في قلب أوروبا، واحدة من أخطر الظواهر السياسية التي قد تهدد مستقبل الاتحاد الأوروبي، وتتمثل في صعود السياسي البولنيد غريغور براون.
وبراون، صاحب اللحية الحمراء، والبدلة السوداء، والذي يرتدي، الآن، رقعة سوداء على عينه تمنحه مظهر "قرصان السياسة البولندية"، لم يعد مجرد سياسي هامشي متطرف.
فحزبه "اتحاد التاج البولندي" (KKP) الملكي و"المعادي للسامية"، بات يحصد بين 8% و10% من نوايا التصويت في استطلاعات الرأي، ليصبح القوة السياسية الرابعة في البلاد.
والأخطر أنه قد يصبح "صانع الملوك" الذي يحتاجه حزب القانون والعدالة المحافظ للوصول إلى السلطة عام 2027، رغم كل ما يمثله من "تطرف وعداء لأوروبا، وتحالف مع موسكو".
يوم السبت 31 يناير/كانون الثاني 2026، وفي برودة قارسة بلغت 15 درجة تحت الصفر، عقد حزب براون مؤتمر "كينغز" (مبادرات وطنية واقتصادية ومحلية) على بعد 70 كيلومتراً من وارسو.
المؤتمر، الذي امتلأت قاعاته عن آخرها رغم محاولات منظمات حقوق الإنسان منعه، لم يكن مجرد تجمع حزبي عادي، بل كان "نقطة تحول حاسمة" كما وصفه المنظمون أنفسهم.
حضر المؤتمر أساتذة جامعات، وصحفيون، وجنرالات وسفراء متقاعدون، وأطباء جاءوا للحديث عن "مناهضة الإجهاض" و"مخاطر اللقاحات".
مزيج غريب من الأزياء الشعبية التقليدية والبدلات الرسمية والعباءات الكهنوتية والزي العسكري، في مشهد يعكس التنوع الغريب لقاعدة براون الشعبية.
يقول رومان فريتز، الذراع اليمنى لبراون: "هذا ليس المكان المناسب لنا كسياسيين لإلقاء خطب كبيرة. نحن هنا للاستماع إلى الخبراء من أجل صياغة برنامج سياسي ملموس لانتخابات 2027".
كما كشف أن وفداً من الحزب استُقبل، قبل يومين، من الرئيس البولندي المحافظ القومي كارول ناوروتسكي، مضيفاً: "نقدم أنفسنا كقوة سياسية عقلانية ومسؤولة تعول على التعاون مع أعلى سلطات الدولة".
براون البالغ من العمر 59 عاماً، ابن أكاديمي مرموق وكاتبة، لم يكن معروفاً حتى وقت قريب.
وفي الانتخابات الرئاسية لعام 2015، حصل على 0.8% فقط من الأصوات. لكن في يونيو 2025، فاجأ الجميع بحصوله على 6.3% من الأصوات، وهو ما مهد لصعود حزبه ليصبح رابع قوة سياسية في البلاد، خلف حزب "كونفدراسيا" اليميني المتطرف الآخر ذي التوجهات الليبرالية الاقتصادية، والخطاب الأكثر تهذيباً.
وفق جميع استطلاعات الرأي، إذا فاز حزب "القانون والعدالة" المحافظ بانتخابات 2027، فلن يستطيع الحكم دون تشكيل تحالف مع هذين الحزبين اليمينيين المتطرفين.
لكن زعيم القانون والعدالة ياروسلاف كاتشينسكي يرفض ذلك، حالياً، بشكل قاطع، مؤكداً أن التصويت لبراون يعني "التصويت لبوتين" أو "ضد المصالح الحيوية للبلاد".
براون، الذي يبدأ جميع تدخلاته بعبارة "ليباركك الله!"، يتبنى خطاباً "معادياً للسامية".
وفي 12 ديسمبر/كانون الأول 2023، هاجم الاحتفال بعيد "الحانوكا" اليهودي في البرلمان البولندي، مستخدماً طفاية حريق لإطفاء الشمعدان اليهودي (المنورة) صارخاً: "هذا عبادة للشيطان".
وفي 10 يوليو/تموز 2025، صرح على راديو Wnet ": فيما يتعلق بالقتل الطقوسي، إنها حقيقة تاريخية. لكن غرف الغاز في أوشفيتز، أخشى أنها مزيفة"، محِيياً بذلك أسطورة "معادية للسامية" قديمة حول التضحية بالأطفال الكاثوليك.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نظم مؤتمراً صحفياً في أوشفيتز للتنديد بـ"تجارة الهولوكوست".
في بلد تشكل فيه روسيا تهديداً وجودياً، فإن موالاة براون لموسكو تبدو أكثر إثارة للحيرة. فهو قريب من ماتيوش بيسكورسكي، الزعيم السابق لحزب "زميانا" الموالي لروسيا، الذي سيُحاكم، قريباً، بتهمة التجسس لصالح موسكو.
وفي 2019، التُقطت له صور في الساحة الحمراء أمام الكرملين برفقة ليونيد سفيريدوف، الصحفي الروسي المطرود من بولندا بتهمة التجسس.
وقبل شهر من الحرب الروسي على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، كان براون النائب الوحيد الذي صوت ضد قرار البرلمان البولندي بدعم كييف، كما كان الوحيد الذي عارض حظر استيراد الغاز الروسي.
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أرسل حزبه رسالة إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، داعياً لتخفيف التوترات و"تطبيع العلاقات بين الشرق والغرب".
براون، المخرج السينمائي السابق، يتقن فن المشهد الاستفزازي، كل "إساءاته" تُصور وتنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يزيد شعبيته.
وخلال حملة 2025 الرئاسية، جاب بولندا موقعاً مئات طفايات الحريق.
ومنذ ذلك الحين، أصبح أيقونة في الثقافة الشعبية، وتُباع منتجات تحمل صورته: دبابيس، أكواب، قمصان، ملصقات، قبعات.
ويظهر على الملصقات كـ"تيرميناتور" مع عبارة: "Hasta la vista أيها اليساريون!"، في إشارة للعبارة الشهيرة للروبوت السينمائي.
يؤكد رومان فريتز: "بولندا ليست دولة مستقلة. موقفنا هو أن الطريقة الوحيدة لاستعادة استقلالنا هي الخروج من الاتحاد الأوروبي، دون أي مساومة. هذا ما يميزنا عن بقية المشهد السياسي".
وفق استطلاع لمعهد "Pollster" نُشر، في 9 يناير/كانون الثاني، فإن 22% من البولنديين يؤيدون خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي، و9% بلا رأي.
أما معدل ثقة الجمهور في براون فبلغ 25% في دراسة نُشرت في 26 من الشهر نفسه.
هذه الديناميكية قد تجعل من براون، قريباً، "بيضة القضبان" الذي تخشاه أوروبا، في مأزق سياسي قد يعيد تشكيل مستقبل بولندا وعلاقتها بالغرب.