logo
العالم

أوكرانيا والضمانات الأمنية.. ما الذي تغيّر في مسار التفاوض؟

ترامب وزيلينسكي خلال المؤتمر الصحفيالمصدر: رويترز

عاد ملف الضمانات الأمنية الأمريكية لأوكرانيا إلى صدارة النقاش السياسي مع تأكيد جاهزية الوثيقة من حيث الصياغة والإطار السياسي.

ويأتي ذلك في مرحلة تفاوضية نشطة تشهد تواصلًا مباشرًا برعاية أمريكية في أبوظبي، وتواكبها حركة اتصالات مكثفة على مستوى العواصم المعنية. 

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي

فايننشال تايمز: ضمانات واشنطن الأمنية لأوكرانيا مشروطة بالتنازل عن أراض

مصدر دبلوماسي أمريكي وصف المرحلة الجارية بأنها مرحلة تثبيت عناصر الاتفاق المرجعي الذي جرى العمل عليه خلال الأسابيع الماضية، مع تركيز واضح على تحويل الصياغات المتوافق عليها إلى أرضية عمل قابلة للاستخدام داخل غرف التفاوض.

يؤكد المصدر الدبلوماسي الأمريكي، خلال حديث لـ"إرم نيوز"، أن الوثيقة الحالية تمثل خلاصة مشاورات طويلة شملت الجوانب الأمنية والسياسية وآليات الالتزام، مشيرًا إلى أن واشنطن ترى في الجاهزية السياسية أداة تنظيم للمسار التفاوضي، تمنح الشركاء وضوحًا حول سقوف الالتزام والدعم. 

تنسيق سياسي متقدّم

ويضيف أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقًا مكثفًا مع كييف حول إدارة الخطاب السياسي وتوقيت الخطوات الإجرائية، بما ينسجم مع مسار اللقاءات الجارية ويمنحها زخمًا عمليًّا.

 ويكشف المصدر أن النقاشات تشمل تفاصيل تتصل بأنماط الضمان، ودور المؤسسات التشريعية في مراحل لاحقة، وصيغ المتابعة التنفيذية ضمن إطار زمني متدرج.

وقد جاء تأكيد جاهزية وثيقة الضمانات الأمنية الأمريكية لأوكرانيا في سياق تصريحات رسمية صدرت خلال الأيام الماضية، تزامنًا مع تحرّك دبلوماسي نشط على أكثر من مسار.

الإعلان لم يتضمّن تفاصيل جديدة حول مضمون الضمانات، التي جرى تداولها خلال الأسابيع السابقة، لكنه أعاد وضع الملف في صلب النقاش السياسي مع الإشارة إلى اكتمال الإطار السياسي للوثيقة وانتظار الانتقال إلى المرحلة الإجرائية المرتبطة بالتوقيع والمصادقة.

كذلك تزامن الحديث عن الجاهزية مع انعقاد جولة محادثات مباشرة في أبوظبي، بمشاركة أوكرانية وروسية وبرعاية أمريكية. الاجتماعات، التي وُصفت من قبل الأطراف بأنها عملية، تناولت ملفات سياسية وأمنية مترابطة، مع تركيز على تقليص نقاط التباعد دون الإعلان عن نتائج حاسمة. استمرار هذه اللقاءات أعاد التأكيد على أن المسار التفاوضي لا يزال مفتوحًا، وأن الملفات المطروحة تُدار ضمن حزمة أوسع تشمل القضايا الميدانية والترتيبات الأمنية المستقبلية.

أخبار ذات علاقة

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان

المجر تستدعي السفير الأوكراني احتجاجا على تصريحات زيلينسكي

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أعلن خلال مؤتمر صحفي أن وثيقة الضمانات الأمنية الأمريكية لأوكرانيا جاهزة بنسبة 100%، وأن كييف تنتظر تحديد موعد ومكان التوقيع عليها من قبل الشركاء الأمريكيين قبل إرسالها إلى الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوكراني للتصديق. وشدّد زيلينسكي على أن الضمانات الأمنية، أولًا، يجب أن تُقدَّم من الولايات المتحدة، مؤكدًا استمرار النقاشات التي جرت في محادثات أبوظبي بين أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة.

من جانبه، يربط مصدر دبلوماسي روسي ملف الضمانات بسير المفاوضات الجارية، ويعتبره جزءًا من البيئة السياسية المحيطة بالحوار. ويوضح المصدر، خلال حديث لـ"إرم نيوز"، أن موسكو تتابع مضمون الوثيقة المطروحة وتتعامل معها كمعطى قائم ضمن المشهد التفاوضي، مع اهتمام خاص بتأثيرها على القضايا الجوهرية المطروحة على الطاولة.

محادثات أبوظبي واختبار الملفات الجوهرية

كما يشير إلى أن المحادثات الأخيرة في أبوظبي تناولت قضايا ميدانية وسياسية متشابكة، وأن أي إطار أمني مطروح يخضع لقراءة روسية دقيقة تتصل بتوازن المصالح والاستقرار الإقليمي. مضيفًا أن القنوات المفتوحة حاليًّا تسمح بتبادل تقييمات مباشرة حول انعكاسات الضمانات على مسار التفاهمات.

وكانت قد جرت محادثات ثلاثية في أبوظبي خلال يومي 24 و25 كانون الثاني الجاري، حيث وصف مسؤول أمريكي تلك اللقاءات بأنها ذات طابع بناء، مع اتفاق الأطراف على مواصلة الحوار، على الرغم من استمرار الخلافات الجوهرية حول القضايا الأساسية، أبرزها وحدة الأراضي ووضع دونباس. وقد أعلن الأمريكيون عن ترتيبات لإجراء جولة جديدة من المحادثات في أبوظبي في بداية شباط المقبل.

بينما أكد الكرملين، عبر الناطق باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف، أن المفاوضات في أبوظبي كانت "بناءة" لكنه أشار إلى استمرار عقبات كبيرة وعدم التوصل إلى اتفاق نهائي. 

وأوضح بيسكوف أن موسكو تعتبر المسائل الإقليمية، بما في ذلك السيطرة على كامل منطقة دونباس، مسألة أساسية في أي تسوية، وهو ما رفضته كييف.

كما نقلت وكالة "تاس" عن الكرملين أن مطلب موسكو بتنازل أوكرانيا عن السيطرة الكاملة على منطقة دونباس بقي مطروحًا خلال المفاوضات، معتمدًا على ما يصفه الجانب الروسي بخطة "أنكوراج" المتداولة في النقاشات السابقة، والتي تشير إلى تغيير الوضع الميداني مقابل اعترافات سياسية معينة.

وتُشكّل اللقاءات التي استضافتها أبوظبي محطة مركزية في إدارة هذا الملف. حيث يوضح مصدر أمريكي أن اختيار المنصة جاء بهدف توفير بيئة عمل عملية تسمح بالتركيز على التفاصيل، مشيرًا إلى أن الاجتماعات شهدت نقاشات معمقة حول ترتيب الأولويات وتحديد النقاط القابلة للبناء عليها في مراحل لاحقة. 

في المقابل، يلفت المصدر الروسي إلى أن هذه اللقاءات أسهمت في توسيع هامش النقاش وتبادل وجهات النظر حول الضمانات ومسائل مرتبطة بالأمن والترتيبات المستقبلية.

إيقاع التفاوض تحت ضغط التوقعات

ضمن هذا السياق، تبرز مسألة إدارة التوقعات داخل أوكرانيا وحولها، حيث يوضح المصدر الأمريكي حول ذلك أن الخطاب المرتبط بجاهزية الضمانات يهدف إلى توفير استقرار سياسي داخلي يدعم استمرارية المسار التفاوضي.

ويؤكد أن التنسيق مع كييف يشمل مقاربة تدريجية تضع في الحسبان تعقيدات المرحلة وحساسية الملفات المطروحة، ويشير إلى أن الضمانات تشكل عنصرًا داعمًا لثبات الموقف الأوكراني خلال التفاوض، مع اعتماد مقاربة واقعية في التعامل مع الاستحقاقات المقبلة.

بينما يصف المصدر الروسي المرحلة الراهنة بأنها مرحلة عمل متواصل تتطلب معالجة تفصيلية لكل بند مطروح. مشيرًا إلى أن الضمانات تشكل أحد عناصر المشهد الأوسع الذي يضم قضايا سياسية وأمنية وميدانية، ويؤكد أن التقدم يتحقق عبر تراكم خطوات عملية داخل مسار تفاوضي منظم. من جهته، يلفت المصدر الأمريكي إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار الاتصالات وتكثيف العمل الفني والسياسي، مع الحفاظ على زخم اللقاءات القائمة.

وكانت مصادر صحفية غربية نقلت عن زيلينسكي أنه يعتبر عضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2027 عاملًا في ضمانات الأمن الاقتصادية والسياسية، في إشارة إلى أن كييف تربط ملف الضمانات بمسارات أوسع تتعلق بالاندماج الأوروبي.

بينما أشارت تقارير صحفية إلى استمرار الضربات الروسية وعمليات التصدي الأوكراني في مناطق مثل كييف وخاركوف ضمن أجواء شتوية قاسية، مع استمرار النشاط العسكري على الأرض أثناء المحادثات الأخيرة. هذه الأحداث الميدانية تُلقي بظلالها على الأهمية العملية لملف الضمانات في لحظة لا يزال فيها النزاع مسلحًا.

الضمانات الأمنية في حسابات التفاوض الأوكرانية

من جانبه، يرى المحلل السياسي الأوكراني، فولوديمير فيسينكو، الباحث في شؤون التفاوض والصراع السياسي، أن إعادة طرح ملف الضمانات الأمنية بهذه الصيغة تعبّر عن حاجة سياسية داخلية لضبط إيقاع المرحلة المقبلة.

وبيّن، خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن الجاهزية السياسية للضمانات تلبّي مطلبًا أوكرانيًّا متراكمًا يتصل بتثبيت مرجعية واضحة للدعم، في مرحلة تتسع فيها مساحة التفاوض وتزداد معها حساسية القرارات.

كما يشير إلى أن هذا النوع من الإعلانات يُستخدم لترتيب المشهد الداخلي، وليس لتغيير معادلات التفاوض دفعة واحدة. ويلفت إلى أن أوكرانيا تدخل هذه المرحلة وهي تدرك أن المفاوضات لن تُدار على أساس اختراقات كبرى، إنما عبر إدارة تفاصيل طويلة ومتشابكة.

في هذا السياق، يرى أن الحديث عن جاهزية الضمانات يهدف إلى تثبيت خطوط عامة لا يُفترض تجاوزها أثناء التفاوض، خاصة في الملفات المرتبطة بالأمن والسيادة.

من زاويته، لا ينظر فيسينكو إلى الضمانات كعامل ضغط، وإنما كإطار انضباط سياسي يقيّد الخيارات ويمنح المفاوض الأوكراني هامشًا أوضح للحركة. ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب هذا النوع من التثبيت، في ظل واقع ميداني متقلّب وضغوط سياسية داخلية لا تقل تعقيدًا عن الضغوط الخارجية.

الضمانات من منظور موسكو

بينما يعتبر المحلل السياسي الروسي، فيودور لوكيانوف، أن موسكو لا تنظر إلى ملف الضمانات الأمنية كتطور حاسم، بقدر ما تراه كعنصر من عناصر البيئة السياسية المحيطة بالمفاوضات.

ويشير، خلال حديث لـ"إرم نيوز"، إلى أن الجاهزية المعلنة لا تغيّر من طبيعة الملفات المطروحة، ولا تمس جوهر القضايا التي تراها موسكو أساسية في أي مسار تفاوضي.

لوكيانوف يرى أن أهمية الضمانات تكمن في تأثيرها غير المباشر على سلوك الأطراف، فوجود إطار جاهز يعيد ترتيب حسابات الوقت والتكلفة، ويؤثر على كيفية إدارة الجولات التفاوضية المقبلة.

ويضيف أن روسيا تراقب هذا التطور باعتباره مؤشرًا على نضوج سياسي في إدارة الملف، من دون أن يمنحه وزنًا تفاوضيًّا مستقلًّا.

من وجهة نظره، فإن المرحلة الحالية تتسم بتراكم خطوات صغيرة تُدار بحذر، حيث يجري اختبار الحدود العملية لأي التزام سياسي جديد. ويرى أن الضمانات في هذا السياق، تُستخدم كعنصر استقرار تفاوضي يحدّ من المفاجآت، أكثر مما تُستخدم كأداة لتغيير الاتجاه العام للمحادثات.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC