في ظل تطوير الولايات المتحدة منظومة الدفاع الصاروخي الشاملة المعروفة باسم "القبة الذهبية"، تبدو روسيا في حالة يقظة استراتيجية قصوى.
وتدرك موسكو أن هذا المشروع لا يمثل مجرد خطوة تكنولوجية، بل تهديدًا محتملًا لأسس الردع النووي العالمي.
ولا يزال الكرملين يراقب "القبة الذهبية" بدقة، مع التأكيد على أن المشروع شأن سيادي أمريكي، لكن التواصل مع موسكو يبقى ضروريًا لاستعادة الاستقرار الاستراتيجي.
من جانبها، تعتبر وزارة الخارجية الروسية أن هذا المشروع يضعف توازن الردع النووي ويهدد الأمن المتبادل، ويشير نائب رئيس مجلس الأمن الروسي إلى أن المشروع استفزازي ويتعارض جذريًا مع معاهدة "ستارت-3".
وتعمل روسيا على تطوير أدوات ردع متعددة الطبقات لمواجهة أي انتشار واسع لمنظومات الدفاع الأمريكية، تشمل صواريخ متقدمة مثل "بوريفيستنيك" القادر على تجاوز الدفاع الصاروخي، و"أوريشنيك" الباليستي متوسط المدى، بالإضافة إلى منظومات نووية واستراتيجية مثل "أفانغارد" و"سارمات" و"بوسيدون" و"كينجال".
وتُراوح الاستراتيجيات الروسية بين تطوير أسلحة هجومية متقدمة وضمان الردع النووي، والضغط الدبلوماسي والتحذير من سباق تسلح جديد في الفضاء.
وفي ظل هذه التطورات، يرى المراقبون أن مشروع "القبة الذهبية" يمثل نقطة تحول استراتيجية قد تعيد تشكيل العلاقة بين روسيا وأمريكا، مع احتمالية العودة إلى حقبة من التوتر والتسابق العسكري والنووي في المستقبل القريب.
بدوره، يرى سيرغي ماركوف، المستشار السابق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن أي حديث عن إنشاء الولايات المتحدة منظومة دفاعية شاملة، مثل ما يُعرف بـ"القبة الذهبية"، لا يمكن فصله عن التوازن النووي القائم بين موسكو وواشنطن، محذرًا من أن مثل هذه البرامج قد تقوض أسس الردع الاستراتيجي العالمي.
وقال ماركوف لـ"إرم نيوز"، إن "التوازن النووي بين روسيا والولايات المتحدة يمثل العامل الرئيسي الذي يمنع اندلاع حرب عالمية، وهذا التوازن يستند إلى مبدأ الردع المتبادل، إذ يدرك كل طرف أن أي هجوم نووي سيُقابل برد مدمر".
وأشار إلى أن "شعور واشنطن بإمكانية حماية نفسها بالكامل من الرد النووي الروسي قد يفتح الباب أمام حسابات خاطئة تتعلق بإمكانية توجيه ضربة أولى من دون عواقب حاسمة، وهو ما يشكل خطرًا مباشرًا على الأمن الدولي".
وأوضح ماركوف أن "أخطر السيناريوهات التقنية يتمثل في تمكن الولايات المتحدة من تدمير 90% من القدرات النووية الروسية في ضربة استباقية، وحتى في حال بقاء 10% فقط من الترسانة النووية الروسية، فإنها تظل كافية لتدمير الولايات المتحدة بالكامل".
وأضاف أن "أي منظومة دفاعية تستهدف تحييد ما يتبقى من الصواريخ النووية الروسية بعد الضربة الأولى، تُعد، من وجهة نظر موسكو، نظامًا عدائيًا يقوض مبدأ الردع النووي الذي استقر لعقود".
ولفت ماركوف إلى أن "محاولات تجاوز الاتفاقات الدولية الخاصة بالحد من أنظمة الدفاع الصاروخي ستدفع روسيا حتمًا إلى اتخاذ إجراءات مقابلة، وفي مقدمتها تعزيز قدراتها النووية لضمان فاعلية الردع".
وشدد على أن "الرد الروسي لن يكون رمزيًا أو محدودًا، بل سيكون كافيًا لإيصال رسالة واضحة مفادها أن أي إخلال بالتوازن الاستراتيجي سيُقابل بتصعيد مماثل".
من جانبه، يرى خبير الشؤون الأمنية والدفاعية البريطاني، جيمس بوسبوتينيس، أن "تطوير الولايات المتحدة منظومة القبة الذهبية للدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، بالتوازي مع اقتراب انتهاء معاهدة نيو ستارت في فبراير/شباط 2026 من دون ضمانات للتجديد، يمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار النووي العالمي".
وقال بوسبوتينيس لـ"إرم نيوز"، إن "المشروع الأمريكي، الذي يهدف إلى توفير مظلة دفاعية شاملة ضد الصواريخ الباليستية والتهديدات الجوية المختلفة، يُعد امتدادًا لمبادرات أمريكية سابقة سعت إلى تحييد قدرات الخصوم النووية".
واعتبر أن "السعي لبناء منظومة دفاع صاروخي واسعة النطاق يدفع خصوم واشنطن، وعلى رأسهم روسيا، إلى البحث عن وسائل لاختراق هذه المنظومات أو تجاوزها، سواء عبر تطوير أسلحة فرط صوتية أو زيادة عدد الرؤوس النووية".
وأشار بوسبوتينيس إلى أن "تطوير موسكو منظومات مثل أفانغارد وبوسيدون جاء ردًا مباشرًا على انتشار الدفاعات الصاروخية الأمريكية"، مرجحًا أن يؤدي مشروع "القبة الذهبية" إلى تسريع هذا المسار.
وحذر من أن "انتهاء نيو ستارت سيعني فعليًا غياب آخر إطار قانوني ينظم الترسانات النووية بين موسكو وواشنطن، خاصة بعد انهيار اتفاقيات سابقة، ما يفتح الباب أمام سباق تسلح جديد".
وأشار بوسبوتينيس إلى أن "موسكو ستواصل إعطاء الأولوية القصوى لقواتها النووية باعتبارها الضامن الأساسي لأمنها الاستراتيجي، حتى وإن جاء ذلك على حساب قدراتها التقليدية".