كشف تقرير أن القادة الأوروبيين يسعون لصياغة نسخة أوروبية من "يوم التحرير"، ترتكز على إطلاق شراكات تجارية استراتيجية جديدة مع أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، مع فرض شروط واضحة على الصين لتبادل التكنولوجيا مقابل الوصول إلى السوق الأوروبية.
وبحسب "فورين بوليسي"، فإن الرؤية الأوروبية تتجاوز العلاقات الخارجية؛ فهي تركز على إعادة هيكلة الاقتصادات المحلية لتعزيز الابتكار، من خلال تقليل التعقيدات التنظيمية، وخفض الضرائب، وتخفيف صرامة أنظمة الرعاية الاجتماعية، بما يخلق بيئة أكثر مرونة وجاذبية للاستثمارات والنمو.
ويرى الخبراء أن أروقة منتدى دافوس هذا العام أصبحت مساحة مكشوفة لإعادة التفكير في موقع أوروبا داخل نظام عالمي بات أقل استقرارًا وأكثر تقلبًا.
وفي هذا السياق، لم يعد الحديث عن أفريقيا وأمريكا اللاتينية والصين مجرّد تنويع للعلاقات، بل تحوّل إلى ركيزة في تصور أوروبي جديد للاستقلال الاقتصادي؛ إذ إن القارة السمراء، بما تملكه من موارد وأسواق صاعدة، تظهر في النقاش الأوروبي ليس كشريك تجاري محتمل فحسب، بل كمساحة استراتيجية لإعادة تشكيل سلاسل التوريد وتقليل الارتهان للأسواق الأمريكية.
وبينما تصاعدت حدة التوتر مع واشنطن على خلفية أزمة غرينلاند والتهديدات الجمركية الأمريكية، بدأت بروكسل تتصرف على أساس فرضية جديدة: الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا آمنًا.
ويعتقد مراقبون أن تصريحات قادة الاتحاد الأوروبي في دافوس عكست هذا التحول بوضوح؛ فالتأكيد على "الاستقلالية الأوروبية" لم يعد شعارًا نظريًّا، بل ضرورة فرضتها بيئة دولية تشهد تراجعًا في قواعد التجارة الحرة وصعودًا لسياسات القوة والضغط.
وفي الوقت الذي انتقد فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما وصفه بـ"التبعية الاقتصادية" لأوروبا، شددت أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، على أن العالم تغيّر بشكل دائم، وأن على أوروبا أن تتغير معه.
ويرى المحللون أن هذا التوجه لا يعني قطيعة فورية مع واشنطن، لكنه يكشف عن استعداد أوروبي لإعادة توزيع المخاطر؛ فالتوجه نحو شراكات أوسع مع أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا يعكس إدراكًا متزايدًا بأن النمو الأوروبي لا يمكن أن يُستعاد عبر البقاء في ظل الاقتصاد الأمريكي، خاصة في ظل الفجوة المتسعة في الابتكار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
لكن مع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي داخل أوروبا نفسها؛ فبين الاعتراف بالمشكلة والقدرة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية عميقة، مسافة لا تزال كبيرة، وحذرت تقارير أوروبية من تراجع القدرة التنافسية الأوروبية؛ ما يطرح تساؤلات حول قدرة بروكسل على قيادة حلف تجاري جديد بالفعل، لا الاكتفاء بإعادة تموضع خطابية.