استبعد خبراء في العلاقات الدولية والشأن الإيراني قدرة النظام في طهران على شراء الوقت من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر عرض التفاوض معه، بهدف تجاوز محنة التهديد بسقوطه نتيجة الاحتجاجات الداخلية المتصاعدة، في ظل تهديد واشنطن بالتدخل لحماية المتظاهرين.
ورأى الخبراء، في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هدف ترامب من الإعلان عن طلب إيران التفاوض معه هو كسب الشرعية لعمل عسكري متوقع ضد النظام في طهران، بحيث يعقب ذلك بإعلان أنه بذل جهودًا كبيرة لتفادي الحرب، وأجرى مفاوضات خلف الكواليس، لكن السلطة الحاكمة في إيران لم تكن جادة، ما يمنحه مبررًا لتنفيذ الضربة أمام المجتمع الدولي والرأي العام الأمريكي.
وأفادوا بأن ترامب مقتنع بأن النظام الإيراني غير مؤهل لإبرام اتفاق، في ظل صراع الأجنحة داخله وغياب رؤية موحدة للتعامل مع الولايات المتحدة أو الصين أو أي قوة أخرى، لا سيما في ظل وجود خلافات عمودية وانقسامات تعكس عدم قدرة النظام على لملمة صفوفه الداخلية واعتماد سياسة خارجية موحدة.
وكان ترامب قد كشف أن الإيرانيين يرغبون في التفاوض بشأن البرنامج النووي، وقد يلتقي بهم قريبًا، مشيرًا إلى أن إدارته تدرس خيارات "قوية للغاية" للتعامل مع الملف الإيراني.
وفي المقابل، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن قناة الاتصال بين وزير الخارجية عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف لا تزال مفتوحة، ويتم عبرها تبادل الرسائل عند الضرورة، مشددًا على التزام طهران بمبدأ الدبلوماسية والتفاوض المتكافئ.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية زياد ضاهر إن النظام الإيراني، بطبيعته وسلوكه، قادر على تغيير مواقفه من أجل البقاء، وقد استغل جميع الموارد التي تمتلكها الدولة، وهي كبيرة ومتنوعة، ولم تقتصر على الثروات الطبيعية والنفطية فحسب، بل شملت إمكانيات اقتصادية وطاقات بشرية، لتحصين وجوده على حساب شعب بات يخرج إلى الشارع احتجاجًا على الجوع وتردي الأوضاع المعيشية.
وأوضح ضاهر، لـ"إرم نيوز"، أن النظام الإيراني أقحم نفسه وشعبه في صراعات إقليمية طويلة الأمد، لم تكن بدافع حماية الأمن القومي، بل في إطار سعيه الدائم لامتلاك أوراق قوة وقدرات عسكرية يستخدمها لاحقًا في المفاوضات، بهدف تعزيز موقعه وإطالة عمره في السلطة.
واعتبر أن الملف النووي يُعد أحد أبرز الأمثلة على هذا النهج، إذ أنفق النظام عليه قدرًا هائلًا من إمكانيات الدولة وموارد الشعب، ليصل في النهاية إلى مرحلة تعرضت فيها إيران لضربات مباشرة استهدفت البرنامج النووي، حتى بات من غير المعروف ما الذي تبقى منه بعد حرب الـ12 يومًا، إلا أن المؤكد هو سعي النظام اليوم إلى إبرام صفقة مع الولايات المتحدة تضمن بقاءه في الحكم.
وبيّن أن الهدف من أي صفقة محتملة يتمثل في تحقيق مكاسب تخفف من وطأة العقوبات المفروضة على إيران، والحصول على جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، على أمل أن تسهم في التخفيف من حدة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها النظام والشعب معًا. غير أن المشكلة الأساسية، بحسب ضاهر، تكمن في أن كل استحقاق سياسي أو تفاوضي يخوضه النظام، وكل مناورة يقوم بها، تصب في نهاية المطاف في خدمة بقائه وحماية رموزه، لا في خدمة الشعب.
ولفت إلى أن السلطة باتت تتعامل مع نفسها بوصفها الممثل الوحيد للدولة والمجتمع، بينما يُترك المواطن لمواجهة أوضاع معيشية قاسية.
وأضاف أن الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها إيران اليوم ليست الأولى من نوعها، لكنها تُعد من أقوى موجات الاعتراض التي واجهها النظام حتى الآن، وتحظى بدعم دولي أكبر مقارنة بالمراحل السابقة.
من جهته، يؤكد الباحث في الشأن الإيراني محمد المذحجي أن طهران تخشى ضربة متوقعة من واشنطن وتل أبيب قد تفضي إلى إسقاط النظام وإحداث تغيير جذري في منظومة الحكم، على غرار ما جرى في سوريا أو فنزويلا. ولمنع ذلك، يرى أن إيران تسعى إلى التفاوض وتقديم تنازلات لم تكن راغبة في طرحها سابقًا.
ويرى المذحجي، لـ"إرم نيوز"، أن من بين هذه التنازلات المحتملة تخلي إيران الكامل عن برنامجها النووي، وحل الحرس الثوري، إضافة إلى تعاون إقليمي مع واشنطن لتفكيك ما تبقى من الميليشيات في المنطقة.
وأضاف أن إيران تبدو ظاهريًا متماسكة، إلا أن أزمتها الحقيقية تكمن في الصراع المحتدم بين أجنحة السلطة، لا سيما بين الحكومة والحرس الثوري، في ظل رفض الأخير بقاء مسعود بزشكيان رئيسًا للبلاد، والسعي لاستبداله بباباك زنجاني، المستشار السابق للرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي سبق أن سُجن على خلفية قضايا فساد تُقدَّر بنحو 20 مليار دولار.
ويرجح لباحث في الشأن الإيراني عدم قدرة النظام في طهران على شراء الوقت من إدارة ترامب، التي يسعى من خلالها الرئيس الأمريكي إلى كسب الشرعية لتنفيذ عمل عسكري متوقع، عبر الادعاء بأنه استنفد جميع السبل الدبلوماسية، وأن النظام الإيراني لم يكن جادًا في التفاوض، ما يبرر الضربة القادمة بحجة وقف القمع والتدخل لحماية المدنيين.
وأشار إلى أن ترامب يستغل رهان إيران على شراء الوقت لكسب مزيد من التأييد الداخلي والدولي، في وقت لم تعد فيه طهران قادرة على استخدام الورقة النووية كورقة ضغط لانتزاع تفاهم مع واشنطن.
وختم بالقول إن صراع الأجنحة داخل النظام يعزز قناعة ترامب بأن هذه السلطة غير صالحة لإبرام اتفاق، لغياب رؤية موحدة للتعامل مع القوى الدولية، إذ يسعى الحرس الثوري إلى صفقة استراتيجية كاملة مع بكين، بينما يرى بزشكيان ضرورة التفاهم المؤقت مع واشنطن، وهو ما يعكس عجز النظام عن توحيد صفوفه واعتماد سياسة خارجية متماسكة.