من العراق وأفغانستان إلى تجربة إسرائيل مع الفلسطينيين، والصين مع تايوان، وروسيا مع أوكرانيا، غالبا ما يحول الضغط العسكري المباشر الشعوب إلى أكثر تماسكا وصمودا، بدلا من كسرها.
ففي خضم الدماء التي سالت في شوارع إيران خلال الأسبوع الماضي، يبرز سؤال حاسم: كيف يمكن للولايات المتحدة، أن تساهم في انتقال سياسي حقيقي نحو إيران ديمقراطية حديثة، دون تكرار كارثة التدخلات العسكرية الفاشلة السابقة؟
ومتى نجحت الجهود الخارجية في دفع التغيير السياسي، ومتى أدت إلى تعزيز الاستبداد أو إشعال فوضى أكبر؟
فإسرائيل، التي يُفترض أنها سيدة العمليات السرية، تحاول منذ نصف قرن دون نجاح دفع الفلسطينيين إلى التعايش الخاضع بالقصف.
أما الصين وفق منظور بعض الخبراء، لا تفعل أفضل من ذلك في محاربة الديمقراطية التايوانية، ولا روسيا في حملتها لخنق السيادة الأوكرانية.
ويشير خبراء هنا إلى أن الضغط الخارجي يميل إلى تصلب إرادة الشعوب بدلاً من كسرها.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن سوء تطبيق القوة هو اللحن الرئيسي في السياسة الخارجية الأمريكية الحديثة، بعد سلسلة من الفشل التي أحاطت بالعالم من كوبا إلى الصومال، ومن نيكاراغوا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، وفق مراقبين.
فمع التعقيدات التي تحيط بالمشهد الإيراني، طرح خبراء فكرة اختبار شخصيات مثل رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، ومستشار المرشد علي شمخاني، وحتى الرئيس مسعود بزشكيان لتولي زمام المرحلة الجديدة.
مسؤول أمريكي كبير سابق يقول لصحيفة "واشنطن بوست" إنه مع ضعف النظام، سيكون لديهم حوافز لإنقاذ أنفسهم وعائلاتهم، مضيفا أن "القول إننا سنعمل مع أشخاص لديهم سياسات معقولة هو سياسة جيدة".
الجزء الأهم في استراتيجية طويلة الأمد لتغيير النظام هو العمل مع الشتات الإيراني الذي يُعد إعلانا حيا عن كيف يمكن لإيران المستقبلية أن تزدهر، بحسب التقرير.
وفي حالة قصف القوات العسكرية والأمنية فإنه سيرسل رسالة عادلة بحسب مراقبين، لكنه قد لا يساعد في خلق مسار نحو إيران حديثة وديمقراطية، لذلك يبدو أن إدارة ترامب بدأت تشعر بشكوك متزايدة حول فعالية خططها، إلى جانب الحلفاء.
والنجاحات في التدخلات الخارجية لها موضوع مشترك: إيجاد أو استغلال شقوق في النخب الحاكمة، خاصة في قوات الأمن، حيث إن الدعم الخارجي يشجع الناس على القفز من السفينة بدلاً من التمسك بهيكلها المتضرر.
تقارير أمريكية تستعرض تجارب تاريخية سابقة، مثل الثورة الأمريكية قبل 250 عامًا، حيث لم تساعد القوات الفرنسية على هزيمة البريطانيين، لكنها سمحت لقوات جورج واشنطن بالبقاء على قيد الحياة رغم الهزائم المتكررة، ثم الانتصار في النهاية.
أما الاتحاد السوفييتي فهو لم يُسقط بالقوة، بل تفسخ من الداخل، وقرر جهاز "الكي جي بي" أن الخيار القائم يتمثل إما بالإصلاح أو الموت، حيث لم يُطاح سلوبودان ميلوشيفيتش في صربيا، بل انهار نظامه تحته في انقلاب انتخابي شبه دموي.
وكالة الاستخبارات المركزية ضغطت حينها على الاتحاد السوفييتي من الحواف -شحن مصاحف إلى أوزبكستان ومخطوطات ساميزدات إلى موسكو - لكن دون المواجهة المباشرة.
وعندما بدأ نخب مثل بوريس يلتسين في الانشقاق، كانت واشنطن هناك لالتقاطهم.
تمكنت الولايات المتحدة من حل أجهزة الأمن الضخمة في دول أوروبا الشرقية مثل بولندا وألمانيا الشرقية بانتقال ذكي، بدلاً من قتل "الأشرار".
تبرز هنا المشكلة في إيران، فبدلاً من تقسيم النظام، يبدو أن تهديدات ترامب والحكومة الإسرائيلية قد عززت التماسك الشعبي.
وتنقل صحيفة "واشنطن بوست" عن فارزين نديمي، الخبير في الشؤون الإيرانية بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قوله إنه لا يرى "أي علامات على التفتت أو التطهير أو رفض تنفيذ الأوامر".
ويضيف أنه بخلاف بعض الأزمات السابقة، بقي معظم موظفي الخدمة المدنية وعمال النفط في وظائفهم.
أما الجيش النظامي، فيقول إنهم "يكرهون النظام، لكنهم صمتوا"، مشيرا إلى أن قوات الأمن الإيرانية قد تفوز في معارك الشوارع هذا الأسبوع، لكن كثيرين من المحللين مقتنعون بأنهم خسروا الحرب.
ويحافظ النظام الإيراني على السلطة فقط بحد السلاح، حيث إنه قد يقتل ما يكفي من المعارضين ليبقى على قيد الحياة أشهرًا أو حتى سنوات، لكنه لا يستطيع الحكم بفعالية فوق كومة من الجثث.
وبحسب خبراء، تبرز بعض الطرق لتعزيز الانتقال المثالي للسلطة في أعقاب مذبحة هذا الشهر، من خلال تشديد العقوبات والضغوط الأخرى على قوات الأمن.
إضافة إلى ذلك، تبرز خطة لمنح حوافز لقادة الأعمال والسياسيين لإظهار الاستقلال، وإجبار طهران على فتح الإنترنت أو فقدان الوصول إلى المعاملات المالية الدولية.
وهنا وُجهت دعوة لإدارة الرئيس الأمريكي بالعمل مع حكام المناطق الإيرانية الذين لا يرتبطون بالحرس الثوري ومعظمهم يكره النظام أصلا، لمساعدتهم على الازدهار.
وحول ذلك، يعلق فالي نصر، الخبير الإيراني البارز والعميد السابق لكلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز، قائلا "حاليًا لا توجد حركة سياسية منظمة في إيران قادرة على قيادة الاحتجاجات وفرض السلطة في اليوم التالي وتولي الأمن والحكم".
وقد يكون رضا بهلوي، ابن الشاه المخلوع، مرتبطًا جدًا بالماضي لقيادة إيران جديدة، إلا أن "مشروع ازدهار إيران" الذي نشره في يوليو يقدم مخططًا انتقاليًا ممتازًا، أذكى بكثير مما أنتجته الحكومة الأمريكية أو المنفيون العراقيون قبل غزو 2003.
ويسرد المشروع 34 منظمة عسكرية واستخباراتية وشرطية ويصف النهج الذي يجب اتباعه تجاه كل منها - حل بعضها، والاحتفاظ بغيرها بعد التدقيق-.
يشار إلى أن المعتدلين الإيرانيين لا يمثلون وجه إيران الجديدة، لكنهم في معظمهم يدركون فشل النظام وينتظرون رحيل المرشد الأعلى علي خامنئي وبداية مرحلة تحول لا مفر منها، حسبما يرى بعض المعارضين داخل البلاد.
ورغم القمع الدموي هذا الأسبوع، يؤكد سياسيون أن حملة الانتقال السياسي في إيران بدأت للتو، فمن خلال سياسة أمريكية قوية وثابتة يمكن أن تساعد في النهاية على إغراق هذا النظام.