logo
العالم

خبراء: نهاية معاهدة "ستارت" تجر واشنطن وموسكو إلى سباق نووي "غير منضبط"

فلاديمير بوتين ودونالد ترامبالمصدر: غيتي إيمجز

تستعد الولايات المتحدة لإنفاق ما يصل إلى تريليون دولار على تحديث ترسانتها النووية حتى عام 2034، في وقت تتبادل فيه واشنطن وموسكو إشارات متصاعدة بشأن القدرات النووية، ومع اقتراب انتهاء معاهدة "ستارت الجديدة" في شباط/ فبراير 2026 دون وجود اتفاق بديل يضبط حجم ونوعية الأسلحة الاستراتيجية لدى الطرفين.

وكشفت وسائل إعلام أمريكية، أن واشنطن تخطط لإنفاق ما يصل إلى 1.5 تريليون دولار على تحديث ترسانتها النووية خلال العقود الثلاثة المقبلة، مع تقديرات أخرى تتحدث عن نحو 946 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة فقط، وفق مكتب الميزانية في الكونغرس. 

أخبار ذات علاقة

فيديو

سقوط "نيو ستارت".. نهاية عهد الدبلوماسية وبداية "فوضى نووية"؟ (فيديو إرم)

ويشمل هذا الإنفاق إعادة بناء مكونات "الثالوث النووي" والبنية التحتية المصاحبة له، في وقت تُقدَّر فيه الميزانية النووية الأمريكية الحالية بنحو 51.5 مليار دولار سنويًا.

وعلى المستوى العالمي، سجل الإنفاق النووي قفزات لافتة، إذ أنفقت الدول المسلحة نوويًا ما يعادل 2898 دولارًا في الثانية خلال العام الماضي، بزيادة بلغت 33% منذ 2018. وتتصدر الولايات المتحدة قائمة الإنفاق، متقدمة على الصين وروسيا، في مشهد يعكس اتساع الفجوة المالية داخل سباق التسلح.

وحذر أعضاء في الكونغرس الأمريكي، في الأيام الماضية، من مخاطر انتهاء معاهدة "ستارت الجديدة"، معتبرين أن التخلي عن القيود القانونية المتبقية قد يمنح خصوم واشنطن مزايا استراتيجية، ويزيد احتمالات الأخطاء النووية.

وشدد الكرملين على أن موسكو ستتصرف وفق التطورات، مع التذكير بحظر التجارب النووية، فيما أعلن الرئيس فلاديمير بوتين استعداد بلاده للالتزام المؤقت بقيود المعاهدة.

ويرى الخبراء أن الحديث عن إنفاق قد يصل إلى نحو تريليون دولار حتى عام 2034 لا يعكس سباقا عدديا لزيادة الرؤوس النووية بين واشنطن وموسكو، بقدر ما يكشف عن انتقال الصراع النووي إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على التحديث النوعي، وتطوير وسائل الإيصال، وأنظمة القيادة والسيطرة، والأسلحة النووية منخفضة العائد. 

وأكد العميد ناجي ملاعب، الخبير العسكري، أن معاهدة "نيو ستارت" الخاصة بالحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية، والمقرر انتهاء العمل بها في شباط/ فبراير 2026، فقدت إلى حد كبير مضمونها العملي، متسائلًا عمّا تبقى فعليًا من آليات ضبط التسلح في ظل التحولات الدولية المتسارعة.

واعتبر ملاعب في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن الحديث عن إنفاق أمريكي قد يصل إلى نحو تريليون دولار حتى عام 2034 لا يعني التوجه لزيادة عدد الرؤوس النووية، بقدر ما يعكس برنامج واسع النطاق لتحديث "الثالوث النووي" الأمريكي، بما يشمل الصواريخ العابرة للقارات، والصواريخ المنطلقة من الغواصات، والغواصات النووية نفسها.

تطوير رؤوس نووية أكثر دقة

وأوضح أن هذا التحديث لا يقتصر على وسائل الإطلاق، بل يمتد إلى أنظمة القيادة والسيطرة والإنذار المبكر، إضافة إلى تطوير رؤوس نووية أكثر دقة وأقل قوة تفجيرية، ضمن ما يُعرف بالأسلحة النووية منخفضة العائد. 

ولفت الخبير العسكري، إلى أن هذا التحول يعكس تغييرًا جوهريًا في العقيدة النووية، من منطق التدمير الشامل إلى منطق الدقة والمرونة والجاهزية، مشيرًا إلى أن سباق التسلح الحالي لم يعد سباق أعداد، بل سباقًا نوعيًا قائمًا على التفوق التكنولوجي وتحسين الكفاءة القتالية.

وأشار ملاعب إلى أن روسيا أنجزت إلى حد بعيد تحديث ترسانتها النووية الاستراتيجية، رغم الضغوط الاقتصادية والعقوبات، عبر إدخال أنظمة متطورة مثل الصاروخ الفرط صوتي "أفانغارد"، والمسيرة النووية البحرية، وصاروخ "بوريفيستنيك" العامل بالدفع النووي.

واعتبر أن جوهر الأزمة يكمن في أن موسكو لم تعد ترى نفسها ملتزمة بقيود "نيو ستارت"، خاصة بعد تعليق مشاركتها في تنفيذ المعاهدة عام 2023، ووقف التفتيش وتبادل البيانات، في ظل استعداد واشنطن لسيناريو انهيار كامل لنظام ضبط التسلح.

السيناريو الأكثر ترجيحًا بعد 2026

وحذر العميد ناجي ملاعب من أن تعقيدات المشهد، بدءًا من حرب أوكرانيا، ومرورًا بالدخول الصيني المتزايد على خط التسلح النووي خارج أي أطر تنظيمية، وصولًا إلى التطورات التكنولوجية والانقسام السياسي داخل الكونغرس الأمريكي، تجعل تجديد المعاهدة أمرًا بالغ الصعوبة.

وكشف الخبير العسكري، أن السيناريو الأكثر ترجيحًا بعد 2026 يتمثل في غياب أي اتفاقيات جديدة، وانعدام السقوف والقيود، بما يفتح الباب أمام سباق تسلح نووي "غير منضبط" يحمل مخاطر استراتيجية غير مسبوقة.

من جانبه، رأى الدبلوماسي الروسي السابق فيتشسلاف ماتوزوف أن العالم لا يعيش سباق تسلح نووي بالمعنى التقليدي، بل حالة من "التوازن النووي المستقر" التي تجعل استخدام السلاح النووي أمرًا مستبعدًا، نظرًا لكلفته السياسية والبيئية والإنسانية الباهظة.

معادلة الردع المتبادل

وأوضح ماتوزوف لـ"إرم نيوز" أن القنبلة النووية رغم قوتها التدميرية، لم تعد أداة عملية لتحقيق الأهداف العسكرية، بسبب ما تخلّفه من دمار شامل وتلوث إشعاعي طويل الأمد، ما يدفع القوى الكبرى إلى تجنّب استخدامها إلا في حالات تهديد الوجود.

وأشار ماتوزوف إلى أن الولايات المتحدة وروسيا توصلتا منذ سنوات إلى قناعة مفادها أن امتلاك آلاف الرؤوس النووية كافٍ لتحقيق الردع المتبادل، وأن أي زيادة عددية لا تضيف قيمة عسكرية حقيقية، في ظل امتلاك موسكو وواشنطن ترسانات قادرة على "تدمير العالم عشرات المرات".

وأضاف أن هذا الواقع دفع القوى الكبرى إلى التركيز على تطوير أسلحة تقليدية متقدمة، مثل الصواريخ فائقة السرعة والأنظمة الدقيقة، القادرة على إحداث تأثير تدميري واسع دون تبعات نووية مباشرة.

وفيما يتعلق بتخصيص الولايات المتحدة ما يقارب تريليون دولار لتحديث ترسانتها النووية، اعتبر ماتوزوف أن الأمر لا يعكس نية لزيادة عدد الرؤوس النووية، بل يندرج في إطار تحديث وسائل الإيصال وصيانة الجاهزية التقنية للترسانة الحالية، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من هذه الميزانيات يُنفق على صيانة "الإرث النووي".

وأشار إلى أن الخطر الحقيقي في المرحلة الراهنة لا يكمن في السلاح النووي ذاته بل في سوء إدارة القوة العسكرية وغياب الرؤية السياسية وتآكل أطر الضبط الدولي، وهو ما يهدد الاستقرار العالمي على نحو أوسع.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC