كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن سعي حثيث تبذله موسكو لإنقاذ ما تبقى من شبكة شراكاتها العالمية المتقلصة، حيث أكدت الصحيفة أن الكرملين بات يرى في صمود طهران خط الدفاع الأخير عن طموحاته الدولية في ظل الهيمنة الأمريكية المتصاعدة التي باتت تطوق المصالح الروسية في القارات الثلاث.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، "على الرغم من أن روسيا تجني حالياً مكاسب اقتصادية عابرة من الحرب الإيرانية نتيجة قفزات أسعار النفط وتخفيف إدارة ترامب القيود المفروضة على الخام الروسي مؤخراً، إلا أن هذا النزاع يبرز على المدى الطويل كتهديد وجودي لنفوذ الرئيس فلاديمير بوتين، ويهدد بتقويض مكانة بلاده كقوة عظمى فاعلة خارج حدود أوراسيا التقليدية".
ومن هذا المنطلق، ترى الصحيفة، أن موسكو صعّدت في الأسابيع الأخيرة دعمها العسكري والتقني المباشر لإيران، بوصفها الشريك الأوثق لها في منطقة الشرق الأوسط الجريحة، حيث زودت الاستخبارات الروسية طهران بصور الأقمار الصناعية اللحظية وتكنولوجيا الطائرات المسيرة المتطورة لتمكينها من مواجهة التحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المتسارعة في المنطقة.
وبناءً عليه، يهدف هذا الدعم التقني إلى تمكين القوات الإيرانية من استهداف التمركزات الأمريكية بدقة أعلى، في محاولة روسية واضحة لعرقلة الاندفاعة الأمريكية التي بدأت تكتسح معاقل النفوذ الروسي التقليدية، وهي المرحلة التي وصفتها الخبيرة هانا نوتي للصحيفة بأنها تمثل حقبة "التحرك الأمريكي بلا قيود كابحة" ضد خصوم واشنطن التاريخيين.
وتضيف الصحيفة: "علاوة على ذلك، يهدد الهجوم الحالي على إيران استراتيجية "الحزام الصديق" التي دأبت موسكو على صياغتها لسنوات طويلة على خاصرتها الجنوبية الحساسة، خاصة أن العالم يُراقب في سوريا كيف تحول الحليف السابق بشار الأسد إلى لاجئ في موسكو، بينما تضطر القوات الروسية الآن للتفاوض مع الحكومة السورية الجديدة لضمان بقاء قواعدها العسكرية الاستراتيجية".
وتؤكد "وول ستريت جورنال" أن طهران تبرز اليوم كـ "حجر الزاوية" الأخير في شبكة القوى التي تعيق الهيمنة المطلقة لواشنطن وتل أبيب في المنطقة، إذ أثبتت إيران صموداً تقنياً لافتاً عبر إغلاق مضيق هرمز ومواصلة الهجمات اليومية بالمسيرات، وذلك رغم تعرض بنيتها التحتية الحيوية لضربات قاسية وموجعة استهدفت مفاصل الدولة العسكرية والاقتصادية.
ووفق الصحيفة لم يتوقف الدعم عند العتاد، بل نقل خبراء روس للإيرانيين تكتيكات مهمة اكتسبوها من ميادين القتال في أوكرانيا، شملت توجيهات دقيقة حول كثافة أسراب المسيرات وارتفاعات التحليق المثالية لتجاوز الرادارات، مما ساعد إيران فعلياً في إصابة منظومات دفاعية أمريكية بالغة الأهمية، وأثبت فاعلية التنسيق العسكري الوثيق بين القطبين المحاصرين دولياً.
وإضافة إلى ما سبق، يمنح بقاء النظام الإيراني روسيا فرصة ذهبية للحفاظ على موطئ قدم استراتيجي في المنطقة، خاصة مع أفول نجم النفوذ الروسي في القارة الأفريقية واللاتينية، حيث تسعى موسكو لاستخدام هذا الدعم كـ "ورقة مقايضة" كبرى مع واشنطن، مقترحةً وقف تزويد إيران ببيانات الأهداف مقابل تراجع الولايات المتحدة عن دعم الجبهة الأوكرانية المشتعلة، وفقا للتقرير.
ويشير مراقبون سياسيون للصحيفة إلى أن ترامب يستمتع بـ "استفزاز" الروس في مناطق نفوذهم التاريخية، مما أدى إلى تصاعد أصوات القوميين داخل روسيا، وعلى رأسهم ألكسندر دوغين، الذي يحذر من أن غياب رد حازم وإصلاحات وطنية حقيقية سيجعل شركاء روسيا "يتساقطون الواحد تلو الآخر كأحجار الدومينو أمام الزحف الأمريكي الذي لا يرحم".