دخلت العلاقة الأمريكية–الإيرانية مرحلة دقيقة يتقدّم فيها الضغط السياسي والعسكري على أي مسار آخر، من دون انتقال فعلي إلى قرار تنفيذي.
هذا الثبات في مستوى التصعيد بات بحد ذاته مؤشرًا سياسيًا، خصوصًا مع تصاعد خطاب البيت الأبيض حول "التفاوض" في غياب أي عرض رسمي معلن.
مصدر دبلوماسي أمريكي أوضح لـ"إرم نيوز" أن ما يجري حاليًا من إرسال العتاد العسكري صوب إيران يخضع لإدارة مباشرة من البيت الأبيض، وأن التصعيد العسكري المعلن جزء من إطار تفاوضي عملي يجري بناؤه بصمت، من دون إطلاق مسار دبلوماسي علني أو التزام سياسي مسبق.
تثبيت ميزان الضغط
ووفق المصدر، فإن الإدارة الأمريكية ترى أن مستوى الحشد القائم يحقق الغاية المطلوبة في هذه المرحلة، فانتشار القوات، الجاهزية الجوية، وتسريب تفاصيل القدرات البحرية، عناصر تُستخدم لتثبيت ميزان ضغط واضح من دون دفع المشهد نحو مسار يصعب التحكم بإيقاعه.
كما يشير التقدير داخل الإدارة إلى أن أي تغيير في هذا السقف يحتاج إلى معطيات جديدة، سواء من جانب السلوك الإيراني أو من البيئة الإقليمية المحيطة.
التقييم الأمريكي يضع الكلفة السياسية والعسكرية لأي خطوة إضافية ضمن حسابات دقيقة، تشمل استجابة طهران، تفاعل الحلفاء، واحتمالات توسع دائرة الاحتكاك.
مؤخرًا، اكتمل عمليًا انتشار القوة البحرية الأمريكية في شرق المتوسط وبحر العرب مع وصول مجموعة حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" ومرافقتها من مدمرات مجهّزة بصواريخ بعيدة المدى، بالتوازي مع تدريبات جوية أعلنت عنها القيادة الوسطى الأمريكية ووصفتها بأنها متعددة الأيام ومرتبطة بإظهار الجاهزية.
هذا الانتشار يعكس تثبيت مستوى عالٍ من الحضور العسكري، ما يسمح لواشنطن بإبقاء كل الخيارات التقنية متاحة من دون ترجمتها سياسيًا أو عملياتيًا.
تموضع عسكري مستدام
مصادر "إرم نيوز" أشارت إلى أن هذا التموضع أُنجز بعد مراجعة داخلية لمسار التصعيد، وأنه صُمّم ليكون قابلًا للاستمرار زمنيًا من دون استدعاء قرارات إضافية.
الرسالة الأساسية التي تحملها هذه الخطوة موجّهة إلى طهران وأذرعها في المنطقة، وتتمحور حول قدرة الولايات المتحدة على إدارة المشهد عسكريًا من موقع السيطرة، مع الإبقاء على هامش سياسي مفتوح.
كذلك يترافق هذا الانتشار مع تصعيد مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تحدّث عن "نفاد الوقت" أمام إيران، وربط بين تجنّب المواجهة وبين قبول طهران بالجلوس إلى طاولة التفاوض.
هذه التصريحات، التي تكررت بصيغ مختلفة خلال الأيام الماضية، لم تترافق مع عرض سياسي محدد، لكنها عكست انتقال الخطاب الرئاسي من لغة التحذير العام إلى لغة الضغط الزمني.
المصدر الدبلوماسي أكد أن التفاوض الجاري الحديث عنه داخل الإدارة لن يتخذ صيغة اتفاق شامل، إنما يتركز على تفاهمات عملية محددة، فالأولوية تتجه نحو الملف الإقليمي، وتحديدًا ضبط الأنشطة التي تعتبرها واشنطن مصدرًا مباشرًا للتوتر، سواء في مناطق الملاحة أو في نقاط الاحتكاك مع القوات الأمريكية، حيث تُناقش هذه الملفات باعتبارها مدخلًا إلزاميًا لأي مسار لاحق.
وفي الملف النووي، تتمحور التصورات الأمريكية حول تثبيت الوضع القائم ومنع انتقاله إلى مستويات أكثر حساسية. لذا فإن الطرح الأمريكي سيركز على خطوات متبادلة محدودة، قابلة للقياس، وتُدار خارج إطار الاتفاقات المعلنة.
واشنطن تراقب الإيقاع الإيراني
أما في ما يخص آليات التواصل، فيشير المصدر إلى وجود قنوات غير معلنة تُستخدم لتبادل الرسائل وتقدير النيات.
هذه القنوات تعمل ضمن نطاق ضيق، وتُدار على مستوى تقني وأمني، بما يسمح بمرونة أعلى في إدارة الملفات الحساسة.
وفق التصور الأمريكي، فإن التصعيد العسكري الحالي يؤدي وظيفة تنظيمية داخل هذا الإطار، حيث يفرض الضغط الميداني ترتيبًا واضحًا للأولويات، ويمنح واشنطن القدرة على تحديد جدول الأعمال قبل الدخول في أي نقاش سياسي أوسع.
هذا الأسلوب يعكس قناعة حالية داخل الإدارة بأن التفاوض يحتاج إلى بيئة ضغط مستقرة، تُبقي الطرف المقابل ضمن دائرة الحسابات الدقيقة.
في حين تُتابَع التحركات الإيرانية الأخيرة بدقة، حيث يرى التقدير الأمريكي أن طهران تعتمد سياسة ضبط الإيقاع، مع الحفاظ على أدوات الردع القائمة.
هذا السلوك يُفسَّر على أنه محاولة إدارة الوقت، مع تفادي خطوات قد تدفع المشهد نحو مرحلة أكثر خطورة.
المصدر يشير أيضًا إلى أن الإدارة تراقب مؤشرات متعددة، تشمل طبيعة الرسائل غير المباشرة، مستوى النشاط الإقليمي، وحدود التصعيد الخطابي.
كما يلفت بأن واشنطن تعمل على انتزاع مكاسب سياسية محددة قبل أي انتقال إلى مرحلة مختلفة، وأن نجاح هذا المسار يرتبط بقدرة الإدارة على تحويل الضغط القائم إلى تفاهمات عملية قابلة للاستمرار.
إدارة صراع طويل الأمد
من جانبها، ترى هولي داغريس، الباحثة المتخصصة في شؤون إيران والسياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، أن المشهد الحالي يعكس انتقال واشنطن إلى نمط إدارة صراع طويل الأمد مع إيران.
وتشير خلال حديثها لـ"إرم نيوز" إلى أن الرهان الأمريكي القائم حاليًا يتمحور حول تعديل هوامش حركة إيران، عبر ضغط متواصل يحاصر الخيارات من دون تفجيرها. هذا ما يفسر، برأيها، غياب أي مبادرة تفاوضية مكتملة، مقابل الإصرار على إبقاء الإشارات السياسية عامة ومفتوحة.
وتَعتبر أن واشنطن كانت تركز الجهد على تقليص قدرة طهران على فرض إيقاعها الإقليمي، ولم تفكر بعد في إعادة إدماجها في نظام تفاهمات واسع. بحيث يصبح التفاوض أداة تنظيم سلوك، وتصبح القوة وسيلة لتقييد الخيارات.
وتلفت إلى أن واشنطن تدرك حساسية الداخل الإيراني، لكنها لم تكن تبني استراتيجيتها على تفكك داخلي وشيك، إنما على تراكم ضغوط بطيئة تُربك القرار من دون أن تدفعه إلى مغامرة غير محسوبة.
سياسة ضغط وأداة تأجيل
في حين رأى سينا توسي، الباحث المختص في العلاقات الأمريكية–الإيرانية، خلال حديثه لـ"إرم نيوز" أن واشنطن وصلت إلى نقطة بات فيها استخدام الضغط أسهل من تحويله إلى سياسة قابلة للإقفال.
فالحشد العسكري والخطاب المرتفع وفق رأيه لا يعبّران عن مسار متكامل، بقدر ما يكشفان عن محاولة إبقاء المشهد تحت السيطرة في ظل غياب تصور نهائي لشكل العلاقة مع إيران في المرحلة المقبلة.
كما اعتبر توسي أن الإدارة الأمريكية تدير الملف الإيراني اليوم من خلال منطق الاحتواء المتحرّك، حيث تُستخدم القوة لضبط الإيقاع ومنع الانفلات.
وتابع بالقول: "هذا الأسلوب يعكس إدراكًا بأن أي اتفاق معلن سيكون هشّاً سياسياً، وأن أي تصعيد تنفيذي سيحمل أثماناً تتجاوز قدرة الإدارة على إدارتها داخليًا وإقليميًا. ولتكون النتيجة هي سياسة تقوم على الإبقاء على الأزمة ضمن حدود يمكن التحكم بها، من دون السعي إلى حلها بشكل سريع".
في هذا السياق، رجّح أن يؤدي الحديث عن "التفاوض" وظيفة تأجيل القرار أكثر مما يفتح مسارًا حقيقيًا، حيث يُستخدم التفاوض هنا كأفق مفتوح يمنع انسداد المشهد، ويؤجل لحظة الاختيار بين خيارات غير مضمونة.
وختم توسي حديثه بالقول إن هذا النمط من الإدارة يحمل مخاطره الخاصة، فكلما طال أمد التحكم بالأزمة من دون تحويل الضغط إلى مسار سياسي واضح، زادت احتمالات فقدان القدرة على ضبط التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما تتحول إلى نقاط اشتعال.