تواجه إسرائيل انقسامات داخلية قد تهدد بانهيار الائتلاف الحكومي الهش الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وتغيير الخريطة السياسية في إسرائيل، بالتزامن مع مخاطر عدة فرضتها تداعيات الهزة الأمنية التي أصابت إسرائيل عقب هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وتتابعت تداعيات هذا الهجوم الذي اندلعت على إثره حرب واسعة في قطاع غزة، امتدت لتشمل الضفة الغربية ولبنان واليمن وسوريا ولاحقا إيران، والتي تقف إسرائيل معها على شفير مواجهة جديدة قد تكون أكثر شراسة.
ويرى المحلل السياسي نبهان خريشة، أن إسرائيل اليوم لم تعد كما كانت قبل الحرب على قطاع غزة، حيث إنها باتت كيانا منقسما على ذاته، وغير قادرة على خوض معارك متعددة في الوقت نفسه.
وقال خريشة لـ"إرم نيوز": "إسرائيل تعاني من انقسامات داخلية عميقة، لا ترتبط فقط بالحرب على غزة، بل أيضا بالجدل المتواصل حول الإخفاقات العسكرية والسياسية، ومسألة تشكيل لجان التحقيق من عدمها، فضلًا عن التداعيات الواسعة للحرب على المجتمع الإسرائيلي".
وأضاف: "الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي بات واضحا بين التيارات العلمانية والمتدينة"، محذرا من أن صعود شخصيات يمينية متطرفة مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش قد يقود في نهاية المطاف إلى سيناريوهات انفصالية، أو إلى تشكيل كيان يشبه ما يُسمّى بـ"دولة يهودا" في الضفة الغربية.
وتابع: "من المستبعد قدرة إسرائيل في وضعها الحالي على القتال على عدة جبهات في آن واحد"، وأن التاريخ يظهر أن كثيرا من الحروب شُنت بهدف توحيد الجبهة الداخلية، حيث تُستخدم الحروب أحيانا كأداة لتجاوز الأزمات والانقسامات الداخلية".
وقال: "هذا ما تحاول إسرائيل فعله اليوم من خلال توسيع دائرة المواجهة، سواء في غزة أو لبنان أو عبر التهديدات تجاه إيران، في محاولة لتوحيد المجتمع الإسرائيلي، إلا أن هذه المحاولات، تصطدم بواقع انقسام عميق، لا يقتصر على السياسة فقط، بل يمتد إلى البنية الثقافية والاجتماعية".
وأوضح أن "وجود انقسامات واضحة بين اليهود الشرقيين والغربيين (الأشكناز)، وانقسامات ثقافية متجذرة، كان من أبرز تجلياتها الخلاف الحاد الذي رافق ما سُمّي بالتعديل القضائي، والذي اعتُبر محاولة لخدمة السلطة التنفيذية على حساب السلطتين القضائية والتشريعية".
وختم خريشة بالقول إنه "لا يعتقد أن إسرائيل ستتفكك أو تنهار بفعل خصومها أو أعدائها الخارجيين، سواء كانوا عربا أو مسلمين أو غيرهما، وأن أي تفكك محتمل سيكون نابعا من داخلها لا من خارجها. فكل عوامل التفكك، بحسب تعبيره، موجودة داخل المجتمع الإسرائيلي ذاته، بينما تبقى العوامل الداخلية، لا الهجمات الخارجية، هي المحرك الأساسي لأي أزمة كبرى قد تطال القيادة الإسرائيلية مستقبلا".
ويرى المحلل السياسي عماد موسى، أن سياسات نتنياهو تقود إلى تفكك المجتمع الإسرائيلي، كاشفا أن ما بين 150 إلى 175 ألف إسرائيلي يحملون الجنسية الإسرائيلية يقيمون حاليا في اليونان وقبرص، بعد مغادرتهم خلال العامين الماضيين على خلفية الحروب المتتالية.
وقال لـ"إرم نيوز": إن"التيار الحريدي والتطرف الديني باتا يقودان المجتمع الإسرائيلي والحياة السياسية، في ظل غياب شخصية كاريزمية قادرة على إنقاذ إسرائيل من حالة الانقسام العمودي والأفقي التي تعيشها؛ ما جعل إسرائيل تتجه نحو منعطف داخلي وخارجي بالغ الخطورة".
وأضاف: "إسرائيل باتت تعاني من خلافات داخلية عميقة، بالتوازي مع فتحها جبهات خارجية تشبه جبهات الحرب، وأنها تجاوزت مرحلة الاحتواء؛ إذ لم تعد قادرة على احتواء التهديدات الخارجية؛ لأنها هي من صنعت هذه التهديدات بنفسها".
وأشار إلى أن ما وصفه بتطبيق إسرائيل لـ"عقيدة بيغن"، القائمة على منع أي دولة في الإقليم من امتلاك سلاح نووي، مذكرا بتدمير المفاعل النووي العراقي ثم السوري، واغتيال علماء عرب من بينهم يحيى المشد وآخرون عراقيون ومصريون.
وأضاف: "إسرائيل تسعى لتطبيق هذه العقيدة حتى نهايتها على إيران"، مشيرا إلى أن ذلك قد لا ينجح، خصوصا في ظل الدعم الذي تحظى به طهران من الصين وروسيا الساعيتين إلى ترسيخ نظام دولي متعدد الأقطاب.
وختم موسى بالقول إن "أي مواجهة مقبلة في هذا السياق ستكون بمثابة اختبار حقيقي لإسرائيل، وقد تنتهي بتراجعها بدلا من تحقيق أهدافها".
ومن جانبه يرى المحلل السياسي لبيب طه أن إسرائيل، نظريا، لا تستطيع التحرك أو الفعل من دون الظهير السياسي الداعم لها، والمتمثل بالولايات المتحدة، وفي حال تعرضت واشنطن لانقسام أو تفكك داخلي، فإن قدرة إسرائيل على المبادرة ستتراجع بشكل كبير.
وقال طه لـ"إرم نيوز": "إسرائيل لا تعيش حالة انهيار داخلي، ولا توجد مؤشرات على اندلاع حرب أهلية شاملة، على غرار الصراعات التاريخية، وإن مثل هذا السيناريو غير وارد في المرحلة الحالية".
وأضاف أن "الانقسام الخطير في أي دولة لا يتمثل في اختلاف الآراء أو التباينات السياسية، بل يحدث عندما يصل الانقسام إلى مراكز القرار، سواء داخل الحكومة أو البرلمان أو على المستوى الجغرافي".
وتابع أن "الخطر الحقيقي على أي كيان يظهر فقط في حال انقسام الحكومة إلى حكومتين، أو تفكك البرلمان، أو انقسام الجيش، أو توزع الأجهزة الأمنية؛ إذ عندها فقط يصبح الكيان مهددا بشكل وجودي وأن أي انقسام داخلي في أي دولة أو كيان، بل وحتى داخل الأسرة الواحدة، يشكل بطبيعته فرصة للخصوم لاستغلاله، وهو أمر بديهي في منطق الصراعات السياسية".
وختم طه بالتأكيد على "أن التهديدات الخارجية الأساسية التي تواجه إسرائيل تتمثل في إيران وحلفائها في المنطقة، وأن قدراتهم العسكرية والسياسية شهدت تطورا ملحوظا خلال الفترة الأخيرة".