logo
العالم

كواليس التسوية المعقدة.. كيف تراجع ترامب عن ضم غرينلاند‎؟

لقاء بين مارك روته والرئيس ترامب على دافوسالمصدر: أ ف ب

في غضون ساعات معدودة، تراجعت أزمة غرينلاند من حافة التهديد الوجودي لحلف "الناتو" إلى أروقة المفاوضات الهادئة. فخلف كواليس المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس"، نجح الأمين العام للحلف مارك روتّه في حياكة تسوية دبلوماسية معقدة، مستثمرًا كيمياء خاصة وعلاقة شخصية لافتة مع دونالد ترامب، وهي العلاقة التي بلغت ذروتها بلقبه الشهير "بابا" في قمة الناتو الأخيرة.

التسوية التي هندسها روتّه استلهمت روح النموذج البريطاني المتبع في القواعد السيادية بقبرص، لتقدم مخرجًا استراتيجيًّا مبتكرًا قد يكون الطوق الوحيد لإنقاذ التحالف الأطلسي من أعمق أزماته منذ عام 1949، محوّلًا الصدام الحتمي إلى تفاهمات هشة لكنها كفيلة بنزع فتيل الانفجار.

أخبار ذات علاقة

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته

الناتو: روته لم يقدم أي تنازلات لترامب بشأن سيادة غرينلاند

خطاب عدواني ثم انفراجة مفاجئة

بحسب ما ذكرت صحيفة "لوموند" الفرنسية، استغل ترامب دافوس، الأربعاء 21 يناير/ كانون الثاني، للشروع في تحول مذهل بشأن غرينلاند، قد يؤدي، إن تأكد، إلى تهدئة الأزمة التي أثارها داخل الناتو بمشروعه لضم الإقليم الدنماركي المتمتع بالحكم الذاتي.

وأوضحت أنه منذ هجومه في فنزويلا واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو قبل نحو 3 أسابيع، ظل الرئيس الأمريكي يكرر نيته السيطرة على الجزيرة القطبية، بالتراضي أو بالقوة، حتى لو كان ذلك على حساب توجيه ضربة قاتلة للرابطة عبر الأطلسية. 

وأشارت إلى أن تهديده بالهجوم دعّمه بتهديد آخر برفع الرسوم الجمركية اعتباراً من الأول من فبراير/ شباط على الواردات الأمريكية القادمة من 8 دول أوروبية، من بينها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، التي أرسلت عشرات الجنود إلى هناك للقيام بمهمة استكشافية، وبالأخص لإظهار تضامنها مع الدنمارك.

لكن في مواجهة الضجة التي أثارها هذا التهديد في أوروبا كما في الولايات المتحدة، أبدى ترامب تصالحية أكبر بكثير في ختام لقاء مع روتّه. فالهولندي، الذي تربطه علاقات وثيقة بالرجل الذي وصفه بـ"بابا" خلال قمة الناتو الأخيرة في يونيو/ حزيران 2025؛ بذل كل طاقته في الأيام الأخيرة لإيجاد "مسار دبلوماسي" مشرّف يسمح لترامب بتخفيف الضغط، بحسب الصحيفة.

"إذا نجح، سيكون هذا الحل مفيداً جداً للولايات المتحدة الأمريكية ولجميع الدول الأعضاء في الناتو"، هكذا احتفى الرئيس الأمريكي: "بناءً على هذا الاتفاق، لن أفرض الرسوم الجمركية التي كان من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير".

التراجع بدأ بعد الظهر

بدأ التراجع في فترة ما بعد الظهر، أمام أوساط الأعمال والمسؤولين السياسيين من جميع أنحاء العالم الحاضرين في دافوس. تخلى ترامب حينها علناً عن إرسال قوات لإخضاع حليفه الدنماركي. "كان الناس يعتقدون أنني سأستخدم القوة. لست بحاجة لاستخدام القوة. لا أريد استخدام القوة. لن أستخدم القوة"، أوضح ترامب، مع الحفاظ على الضغط بشأن إقليم خلط بينه وبين آيسلندا مراراً. 

وأكد ترامب "نريد قطعة جليد لحماية العالم، وهم يرفضون إعطاءها لنا"، في إشارة إلى القادة الدنماركيين والغرينلانديين، مضيفًا "لديهم إذن الخيار، يمكنهم أن يقولوا 'نعم'، وسنكون ممتنين جداً لهم. أو يمكنهم أن يقولوا 'لا'، وسنتذكر ذلك"، دون أن يتردد في الربط، في نوع من الابتزاز، بمستقبل الناتو، بل ومستقبل أوكرانيا.

من جهته علّق رئيس دولة أوروبي طالباً عدم الكشف عن هويته، "كنت أتوقع الأسوأ، يبدو أن ترامب يتراجع عن غرينلاند لأنه يستبعد المرور بالقوة بإرسال الجيش، لكن هذه الطريقة في ربط مصير الناتو، ومصير أوكرانيا، بالمسألة القطبية تبقى مقلقة".

أخبار ذات علاقة

صورة معدلة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب

مليون دولار لكل مواطن… عرض سخي من ترامب لسكان غرينلاند

نقل السيادة.. الحل البريطاني القبرصي

في أعقاب ذلك، التقى ترامب بمارك روتّه خلف كواليس منتدى دافوس. الأمين العام للناتو، الذي كان سريًّا بشكل خاص، رفض منذ اندلاع الأزمة التحدث إلا لدعم تعزيز أمن القطب الشمالي. ودون الانحياز لا للولايات المتحدة ولا للدنمارك. 

ووفقا للصحيفة الفرنسية، كان روتّه يحاول إيجاد حل لتقريب وجهات النظر الأمريكية والدنماركية، وإقناع ترامب ليس فقط بعواقب عملية عسكرية محتملة ضد حليف في الناتو، بل أيضاً بقدرة الحلفاء على تأمين منطقة الشمال الأقصى.

يوم الأحد 18 يناير/ كانون الثاني، هاتف روتّه الرئيس الأمريكي، قبل أن يناقش في اليوم التالي مع وزيري الخارجية الدنماركي والغرينلاندي في مقر الناتو، حلاً إبداعياً، مستوحى إلى حد كبير من المملكة المتحدة: نقل سيادة قاعدة "بيتوفيك"، شمال غرينلاند، بالكامل إلى الولايات المتحدة، على غرار وضع القاعدتين البريطانيتين السياديتين في جزيرة قبرص.

احتفظت بريطانيا بقاعدتي "أكروتيري" و"ديكيليا" بعد استقلال قبرص عام 1960. ويمكن للندن القيام بأنشطتها هناك دون تدخل من الحكومة القبرصية. في بيتوفيك، يمنح اتفاق الأمن لعام 1951، المعدل في 2004، صلاحيات واسعة جدًّا للولايات المتحدة، لكن ليس "السيادة" العزيزة على ترامب. "لقد لعب هذا دوراً"، يعتقد دبلوماسي أوروبي تابع المفاوضات.

وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، يمكن للدنمارك علاوة على ذلك التنازل عن قطع من الأراضي للولايات المتحدة لإنشاء قواعد عسكرية جديدة، تحت السيادة الأمريكية. نُوقش الموضوع خصوصاً خلال اجتماع الأربعاء في مقر الناتو، لكن عمليات نقل السيادة المحتملة هذه، مسألة حساسة، يجب أن يتم صقلها والموافقة عليها من قبل الدنماركيين والغرينلانديين.

اقترح رئيس الوزراء الهولندي السابق آلية أوسع، بإضافة التزامات "لضمان أن روسيا والصين لا يمكنهما أبداً التواجد، اقتصادياً أو عسكرياً على الجزيرة"، كما أوضحت المتحدثة باسم الناتو. وبالمثل، ستُجرى مناقشات "حول كيفية ضمان أمن القطب الشمالي من خلال الجهود الجماعية للحلفاء، وخاصة الحلفاء السبعة في القطب الشمالي".

التغيير في اللهجة يُرحب به

من كوبنهاغن، رحّب وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن في المساء بالتغيير المفاجئ في لهجة ترامب، واعتبر "إيجابياً للغاية" الإعلان عن "تعليق" الرسوم الجمركية، طريقة لتجنب شد العلاقات أكثر مع الحلفاء الأوروبيين، الذين لم يلغوا مع ذلك القمة الأوروبية الاستثنائية المقررة الخميس 22 يناير/ كانون الثاني في بروكسل من أجل محاولة الوقوف صفاً موحداً أمام إدارة ترامب.

الأهم من ذلك، أن رئيس الدبلوماسية الدنماركية يلاحظ أن دونالد ترامب كلّف نائبه جي دي فانس ووزير خارجيته ماركو روبيو بـ"تسوية هذه المسألة"، وعلق قائلا: "هذا يعني أننا يمكننا العودة إلى مسار لا يحدث فيه هذا على "تروث سوشال" بتصريحات عنيفة، بل يكون لدينا نقاش جدي حول كيف يمكن لمملكة الدنمارك المساهمة، مع الأمريكيين والناتو، في ضمان الأمن في القطب الشمالي".

أخبار ذات علاقة

الرئيس الأمريكي ترامب والأمين العام لحلف الناتو روته

"اتفاق غير نهائي".. ماذا يعني إعلان ترامب عن صفقة غرينلاند مع الناتو؟

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC