في لحظات التحول الكبرى، لا تتغير موازين القوى تدريجياً، بل تعاد صياغتها بشكل حادٍ ومفاجئ. هذا ما يكشفه تحليل للخبير السياسي راتكو م. كنيجيفيتش، الذي يرى أن الحرب المرتبطة بإيران لم تضعف مكانة الولايات المتحدة كما كان يعتقد، بل عززت دورها إلى مستوى غير مسبوق كـ "ضامن لا غنى عنه" للنظام العالمي.
أحد أبرز ملامح هذا التحول هو عودة النفط إلى مركز الصراع الجيوسياسي. فبعد سنوات من الاعتقاد بأن أسواق الطاقة أصبحت مستقرة ومتنوعة، أظهرت الهجمات على البنية التحتية في الخليج هشاشة هذا التصور.
يشير إلى أنه لم يعد النفط مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبح أداة قوة وإشارة سياسية تحدد موازين النفوذ.
الأهم أن الصدمة لم تأتِ من نقص فعلي في الإمدادات، بل من حالة عدم اليقين، التي دفعت الأسواق إلى تسعير المخاطر بشكل مبالغ فيه، ما أدى إلى قفزات حادة في الأسعار.
في هذا السياق، يصف كنيجيفيتش في تحليله المنشور بـ "أتلانتيك كاونسيل" سلوك إيران بأنه قد يرقى إلى "خطأ حسابي تاريخي". فإستراتيجيتها القائمة على الضغط غير المباشر والتصعيد دون مواجهة شاملة قد تتجاوز نقطة التحمل إذا مست البنية الأساسية لتدفقات الطاقة العالمية.
ويقول إنه عند هذه العتبة، لا يكون الرد تدريجياً، بل هيكلياً، بما قد يهدد استقرار النظام الإيراني نفسه. فالدول، كما يشير، لا تفشل بسبب نقص القوة بقدر ما تفشل بسبب سوء تقدير عواقب استخدامها.
أما فيما يخص فكرة محور متماسك يضم روسيا، والصين، وإيران، وكوريا الشمالية، فأوضح أن هذه القوى، رغم تقاطع مصالحها الظاهري، تختلف جذرياً عند لحظات الخطر الحقيقي.
فالصين تعتمد على استقرار إمدادات الطاقة من الخليج، وروسيا تستفيد من ارتفاع الأسعار لكنها لا ترغب في الفوضى الشاملة، بينما تظل كوريا الشمالية لاعباً تابعاً. بذلك، تتفكك فكرة "المحور" أمام اختبار المصالح الواقعية.
أما أوروبا، فيقدمها كنيجيفيتش كخاسر رئيس؛ فالنموذج الأوروبي القائم على الاعتماد على الطاقة الخارجية أثبت محدوديته في لحظة تتطلب قوة صلبة ووضوحاً إستراتيجياً.
في قلب هذا المشهد، تبرز معادلة أساسية أيضاً: "النفط والدولار هما سيولة العالم". فرغم الحديث المتكرر عن التحول نحو الطاقة النظيفة، تكشف الأزمات أن النظام العالمي لا يزال قائما على تدفقات طاقة تسعر بالدولار. هذا الترابط يمنح الولايات المتحدة ميزة مزدوجة، ما يعزز قدرتها على إدارة الأزمات.
ويستدعي كنيجيفيتش مقارنة تاريخية مع حقبة رونالد ريغان، مشيراً إلى أن وضوح الأولويات الإستراتيجية يسمح بتحويل الأزمات غير المتوقعة إلى فرص
الخلاصة التي يقدمها التحليل حاسمة: في أوقات الاستقرار، قد يبدو النظام الدولي قابلاً للتعددية والتوازن، لكن في لحظات الاضطراب، يبحث العالم عن "ضامن" يكون قادراً على فرض النظام. وهنا تتفوق الولايات المتحدة، بفضل قوتها الاقتصادية ومصداقيتها العسكرية.
وبهذا المعنى، لم تكن حرب إيران مجرد أزمة إقليمية، بل هي اختبار للنظام العالمي بأكمله. والنتيجة؟ واشنطن خرجت منها أكثر ترسيخاً لدورها المركزي.