logo
العالم

حاويات زرقاء وشاحنة غامضة.. هل نقلت إيران أخطر مخزونها النووي إلى أصفهان؟

موقع أصفهان النووي المصدر: رويترز

كشف تحقيق مشترك أجرته صحيفة "لوموند" الفرنسية بالتعاون مع محققين بصريين من "نشرة العلماء الذريين" الأمريكية عن معطيات جديدة تثير شكوكا واسعة بشأن مصير اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب قبيل الضربات الإسرائيلية والأمريكية على المنشآت النووية في يونيو 2025.

فبحسب التحليل، فإن صورة قمر صناعي عالية الدقة التقطت في 9 يونيو 2025 عند المدخل الجنوبي للمجمع تحت الأرض في أصفهان، قد توثق عملية نقل كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب إلى هذا الموقع قبل أيام فقط من بدء الهجمات.

أخبار ذات علاقة

أفراد من الجيش الأمريكي

الضربة القاضية.. خطة أمريكية لتأمين اليورانيوم الإيراني "عالي التخصيب"

وإذا صحت هذه الفرضية، فإن ذلك يعني أن  إيران ربما سبقت الضربات بإعادة تموضع الجزء الأشد حساسية من مخزونها النووي، وربما كله، إلى منشأة لم تتعرض للتدمير المباشر، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة جديدة حول مدى فاعلية تلك الضربات وما إذا كانت قد أصابت فعلا قلب البرنامج النووي الإيراني.

تعود خلفية هذه الشكوك إلى سنوات من التوتر بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية. ففي يونيو 2022 أوقفت طهران كاميرات المراقبة التابعة للوكالة في مواقع نووية رئيسية، بينها نطنز وفوردو، ردا على قرار انتقدها بسبب عدم تفسير آثار يورانيوم عثر عليها في مواقع غير معلنة. ثم في فبراير 2023 ظهرت تقارير عن رصد آثار يورانيوم مخصب بنسبة 84 % في فوردو، وهي نسبة تقترب كثيرا من مستوى الاستخدام العسكري.

ورغم أن الوكالة لم تؤكد هذا الرقم رسميا، فإنها أقرت لاحقا بأنها فقدت "استمرارية المعرفة" بشأن جزء مهم من مخزون إيران النووي، وأن هذه الفجوة لم يعد بالإمكان سدها بالكامل. ومنذ الزيارة الأخيرة المؤكدة لمدير الوكالة رافاييل غروسي إلى نطنز وفوردو في نوفمبر 2024، باتت تقديرات الوكالة تعتمد بدرجة كبيرة على الإعلانات الإيرانية وصور الأقمار الصناعية والمعلومات التي تقدمها الدول الأعضاء. 

أخبار ذات علاقة

منشأة نووية إيرانية

خبير نووي زار أصفهان: اليورانيوم الإيراني مدفون على عمق 100 متر تحت الأرض

وبحسب التقييم الشامل الذي أصدرته الوكالة في مايو 2025، امتلكت إيران آنذاك 408.6 كيلوغرامات من سادس فلوريد اليورانيوم المخصب حتى 60 %، و274.5 كيلوغراما مخصبة حتى 20 %، إضافة إلى آلاف الكيلوغرامات من اليورانيوم الأقل تخصيبا. لكن رسالة سرية بعثتها الوكالة في 12 يونيو 2025 أشارت إلى ارتفاع مخزون اليورانيوم المخصب حتى 60 % إلى 440.9 كيلوغرامات، وفقاً لـ "نشرة العلماء الذريين." 

كيف فقدت الوكالة أثر المخزون الإيراني؟

وتكتسب الصورة الملتقطة في أصفهان أهمية استثنائية. فهي تظهر شاحنة مسطحة كبيرة، أو مقطورة منخفضة الارتفاع، بطول يقارب 13 مترا وعرض نحو 2.6 متر، تحمل 18 حاوية زرقاء أمام مدخل النفق الجنوبي في المجمع تحت الأرض، وفقاً لصحيفة لوموند. كما تظهر خلفها شاحنة أصغر مزودة برافعة صفراء، وثلاث مركبات صغيرة أخرى، بينها سيارة بيضاء تبدو في وضع مناورة خلف الشاحنة.

ويرى التحليل البصري أن وضعية الشاحنة ترجح أنها كانت في طور التفريغ لا التحميل أو المغادرة. فهي تواجه مدخل النفق مباشرة، ولو كانت تستعد لمغادرة الموقع وهي محملة، لاضطرت إلى الرجوع للخلف مسافة طويلة على طريق ضيق ومتعرج قبل الوصول إلى الدوار القريب، وهو أمر يبدو غير عملي لشاحنة تحمل حمولة ثقيلة. كما أن وجود شاحنة الرافعة خلفها يوحي بأن عملية إنزال الحمولة كانت وشيكة.

غير أن أهمية الصورة لا تتوقف عند موضع الشاحنة، بل تمتد إلى طبيعة الحمولة نفسها. فالحاويات الزرقاء، بحسب التحقيق، تشبه إلى حد كبير العبوات المستخدمة في نقل المواد المشعة. وهذه العبوات تكون مصممة لتحمل الصدمات والحرارة وحماية محتواها من التشتت أو المخاطر الإشعاعية أو خطر الوصول إلى الكتلة الحرجة أثناء النقل. 

أخبار ذات علاقة

جبل بيكاكس في إيران

إعلام عبري: عملية برية وشيكة لـ"المارينز" للاستيلاء على اليورانيوم الإيراني

18 حاوية زرقاء.. لماذا يرجح أنها يورانيوم عالي التخصيب؟

انطلاقا من هذه المواصفات، يذهب المحللون إلى أن الحمولة قد تكون يورانيوم عالي التخصيب على هيئة سادس فلوريد اليورانيوم، بنسبة تخصيب تصل إلى 60 %. وبحسب الحسابات التي أوردتها التحليل، فإن شاحنة تحمل 18 حاوية من هذا النوع قد تستوعب ما يصل إلى 534 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 %، أو 1618 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 %.

وهذا الرقم الأول قريب جدا من تقديرات الوكالة الدولية التي تحدثت عن 440.9 كيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب قبيل الضربات، ما يجعل فرضية نقل كامل المخزون، أو الجزء الأكبر منه، إلى أصفهان أمرا ممكنا من الناحية التقنية.

ويعزز هذا الاحتمال عاملان آخران: الأول أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحدثت أكثر من مرة عن احتمال وجود يورانيوم عالي التخصيب في مجمع أصفهان، وأن إيران نفسها ألمحت في تصريحاتها الأخيرة إلى وجود مواد حساسة هناك. والثاني أن طهران لم تسمح للوكالة بالدخول إلى مجمع الأنفاق في أصفهان رغم الطلبات المتكررة، كما أنها أبلغت الوكالة في يونيو 2025 بوجود منشأة تخصيب جديدة داخل هذا المجمع، لكن الوكالة لم تتمكن حتى الآن من زيارتها.

ومع مرور الأشهر، بقي وضع هذه المنشأة غامضا: هل هي مجرد قاعة فارغة، أم أنها مجهزة ببنية تحتية تنتظر أجهزة الطرد المركزي، أم أنها باتت تعمل بالفعل بعيدا عن أعين الرقابة الدولية. 

أخبار ذات علاقة

رافائيل غروسي

"حادث نووي كبير".. غروسي يدق ناقوس الخطر بعد ضربات مفاعل بوشهر

خدعة متعمدة؟

ورغم ترجيح فرضية اليورانيوم عالي التخصيب، يستعرض التحقيق فرضيات أخرى أقل إقناعا، من بينها أن تكون الحاويات جزءا من عملية خداع متعمدة، أو أنها تحمل "الكعكة الصفراء" أو يورانيوم منخفض التخصيب أو موادا مشعة طبية أو صناعية أو مواد كيميائية تدخل في دورة الوقود النووي، أو حتى مواد بناء تستخدم في تدعيم الأنفاق.

لكن التحليل يرى أن هذه الفرضيات تواجه مشكلات تقنية أو استراتيجية. فبعض هذه المواد لا يحتاج إلى حاويات ثقيلة بهذه المواصفات، وبعضها لا يبرر نقلها في هذا التوقيت الحساس، فيما تبدو فرضية الخداع أقل ترجيحا لأن الصورة التقطت قبل ثلاثة أيام فقط من الضربات الإسرائيلية، بما يوحي بعملية استعجالية أكثر من كونها حملة تضليل معدة بعناية.

أصفهان بعد القصف.. هل نجا قلب البرنامج النووي؟

وتكمن خطورة هذه الخلاصة في أنها تقوض السردية التي تحدثت عن "محو" البنية النووية الإيرانية في ضربات يونيو. فإذا كان اليورانيوم عالي التخصيب قد نُقل فعلا إلى أصفهان قبل القصف، فإن نطنز وفوردو ربما لم تكونا تحتويان على أهم مادة انشطارية وقت استهدافهما، بل إن أصفهان نفسها قد تكون اليوم الموقع الأكثر حساسية في البرنامج النووي الإيراني، خاصة إذا كانت المنشأة الجديدة تحت الأرض قد أصبحت قابلة لتخصيب اليورانيوم بسرعة إلى مستوى 90 %.

ويشير التقرير إلى أن سلسلة بسيطة من نحو 200 جهاز طرد مركزي من طراز "آي آر-6" قد تكون كافية لرفع تخصيب 50 كيلوغراما من اليورانيوم من 60 إلى 90 % خلال نحو 10 أيام فقط.

لهذا لا يقدم التحقيق إجابة نهائية بقدر ما يسلط الضوء على فجوة خطيرة في المعرفة الدولية. فبعد 9 أشهر من الضربات، ما زالت الوكالة الدولية تقول إنها لا تعرف على وجه الدقة مكان وجود اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وما زالت عاجزة عن الوصول إلى منشأة أصفهان الجديدة.

وبين صورة الشاحنة، وحسابات الحمولة، وتصريحات المسؤولين الإيرانيين، وتعذر التفتيش، تتشكل رواية مقلقة مفادها أن أخطر ما في البرنامج النووي الإيراني ربما نجا من القصف، وانتقل في الوقت المناسب إلى مكان أكثر تحصينا وأشد غموضا.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC