يرى خبراء أن دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إحياء الحوار مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، تعكس تحولًا أوروبيًا اضطراريًا بعد فشل رهان استنزاف روسيا، وتزايد الضغوط الاقتصادية والسياسية داخل فرنسا وأوروبا عمومًا.
وقال الرئيس الفرنسي في وقت سابق، إنه "من المفيد مرة أخرى" له وللأوروبيين إجراء محادثات مع الرئيس بوتين، وذلك في سياق الجهود التي تقودها الولايات المتحدة حاليًا من أجل وضع حد للحرب في أوكرانيا.
وأضاف الخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن باريس تخشى التهميش في أي تسوية دولية محتملة بين موسكو وواشنطن، وتسعى إلى استعادة دورها عبر فتح قنوات الحوار مع بوتين.
وأشاروا إلى أن هذا التحرك يرتبط أيضًا بتراجع شعبية ماكرون وحاجته إلى إنجاز سياسي قبل نهاية ولايته، في وقت باتت فيه أوروبا أكثر حاجة إلى التفاوض، وفي الوقت نفسه لا تبدي روسيا اهتمامًا كبيرًا بالمواقف الأوروبية.
يقول د. نزار بوش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة موسكو، إن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعث خلال الفترة الماضية رسائل واضحة إلى الغرب تدعو إلى إعادة فتح قنوات الحوار والتفاوض مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وكشف في حديث لـ"إرم نيوز" أن ماكرون كان من بين القادة الأوروبيين الذين دعموا، بالتنسيق مع بريطانيا وألمانيا، مسارًا أوروبيًا راهن على استنزاف روسيا عسكريًّا واقتصاديًّا عبر استمرار الحرب في أوكرانيا.
وأشار بوش إلى أن هذا الرهان استمر قرابة 4 سنوات، لكنه انتهى بالفشل، إذ لم يتمكن الأوروبيون من فرض موقف موحد، كما أخفقوا في تحقيق نتائج ملموسة سواء على مستوى الضغط العسكري، أم في ملف استخدام الأموال الروسية المجمدة لدعم كييف.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن عددًا متزايدًا من الدول الأوروبية بات يرفض الاستمرار في هذا النهج، بعدما ثبتت كلفته السياسية والاقتصادية.
وأوضح أن هذا الفشل دفع ماكرون إلى تعديل خطابه السياسي والعودة للحديث عن التفاوض مع بوتين، لافتًا إلى أن العامل الاقتصادي يمثل دافعًا رئيسًا لهذا التحول، في ظل العجز الكبير الذي يعانيه الاقتصاد الفرنسي، وتأخر إقرار الميزانية العامة مع دخول عام 2026.
وأشار د. نزار بوش إلى أن الدَّين العام الفرنسي من بين الأعلى أوروبيًا، ما يحد من قدرة باريس على مواصلة دعم أوكرانيا دون انعكاسات داخلية.
وأضاف أن ماكرون بات يدرك أن فرنسا لم تحقق مكاسب سياسية أو استراتيجية من هذا المسار، وأن طموحاته السابقة بشأن دور أوروبي عسكري مستقل أو تشكيل جيش أوروبي بقيت في إطار الخطاب فقط.
واعتبر أن تراجع شعبية الرئيس الفرنسي والضغوط الاجتماعية المتزايدة دفعته إلى البحث عن إنجاز سياسي يعيد له بعض الزخم قبل نهاية ولايته.
من جانبه، أكد كارزان حميد، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن التحولات الدولية المتسارعة وضعت الأوروبيين في موقع العزلة، بين تقارب متزايد بين موسكو وواشنطن، وتراجع القدرة الأوروبية على التأثير في مسار الأزمة الأوكرانية.
وقال في حديث لـ"إرم نيوز"، إن هذا الواقع أثار مخاوف عميقة داخل العواصم الأوروبية من خسارة كل ما قدمته من دعم مالي وعسكري لكييف منذ عام 2022.
وأشار حميد إلى أن العلاقة بين ماكرون وبوتين لم تنقطع كليًا، بل مرت بحالة من الجمود والفتور، قبل أن يكسر الاتصال الهاتفي الذي جرى بينهما العام الماضي هذا الجمود.
ولفت إلى أن تصريحات ماكرون الأخيرة، التي أبدى فيها استعداده للحديث مع بوتين، تعكس شعورًا أوروبيًا متزايدًا بالتهميش والخشية من إبرام تفاهمات دولية دون إشراك أوروبا.
وأوضح الخبير في الشؤون الأوروبية أن ماكرون يواجه ضغوطًا سياسية داخلية متزايدة، قد تهدد استمراره السياسي، لا سيما مع اقتراب استحقاقات انتخابية حساسة.
وأضاف أن باريس تحاول اليوم تبنّي مسار دبلوماسي مستقل نسبيًا عن بعض التوجهات الأوروبية، في محاولة لاستعادة جزء من الخسائر الاقتصادية والسياسية التي تكبدتها نتيجة الحرب.
وأشار حميد إلى أن القروض الأوروبية المقدمة لأوكرانيا لم تحقق نتائج حقيقية، بل أضافت أعباء مالية جديدة، مؤكدًا أن أوروبا باتت تخشى الخروج من مسار التسوية بلا مكاسب.
ورجح المحلل السياسي أن تشهد الفترة المقبلة تحركات دبلوماسية مكثفة قد تُفضي إلى إعادة تنشيط الحوار المباشر بين باريس وموسكو.