logo
العالم

الدبلوماسية الرمادية الصينية.. لماذا تتجنب بكين الدفاع عن حلفائها المعاقَبين؟

الرئيس الصيني خلال لقاء سابق مع الرئيس الإيرانيالمصدر: الأناضول

تواجه الصين معضلة استراتيجية متزايدة في تعاملها مع حلفائها الخاضعين للعقوبات الأمريكية، من فنزويلا إلى إيران. 

هذا النمط من السلوك، الذي يُطلق عليه خبراء "المنطقة الرمادية"، يكشف عن استراتيجية صينية محسوبة تسعى لتعظيم المكاسب الاقتصادية مع تقليل المخاطر السياسية والعسكرية إلى أدنى حد ممكن.

ما هي تكتيكات المنطقة الرمادية؟

وفقًا لمؤسسة "راند" البحثية الأمريكية، تُعرّف تكتيكات المنطقة الرمادية الصينية بأنها أنشطة حكومية قسرية تتجاوز الدبلوماسية والأنشطة الاقتصادية المعتادة، لكنها تبقى دون عتبة استخدام القوة العسكرية المباشرة.

وتنظر الصين إلى هذه الأنشطة باعتبارها امتدادًا طبيعيًّا لكيفية ممارسة الدول للسلطة، ووسيلة للضغط على الدول الأخرى للتصرف وفقًا لمصالح بكين دون إثارة ردود فعل أو صراع مفتوح.

وتشمل هذه التكتيكات، حسب تصنيف "راند"، أربعة مجالات رئيسية: الجيوسياسية، الاقتصادية، العسكرية، والعمليات السيبرانية والمعلوماتية. 

وعلى مدى العقد الماضي، استخدمت الصين ما يقرب من 80 تكتيكًا مختلفًا من تكتيكات المنطقة الرمادية عبر أدوات القوة الوطنية كافة ضد تايوان واليابان وفيتنام والهند والفلبين.

تكتيكات المنطقة الرمادية تتشابك بشكل وثيق مع الحرب القانونية والمعرفية، إذ ترافق هذه التكتيكات وتُعزّز استراتيجيات الحرب الهجينة الأخرى، وتُستخدم بشكل متماسك لخلق دائرة ضغط متعددة الأبعاد، وفق معهد تايوان العالمي. 

أخبار ذات علاقة

علما الصين وأمريكا

الصين تعارض الإجراءات الأحادية لترامب تجاه التجارة مع إيران

لماذا لا تتدخل الصين عسكريًّا؟

في حالة فنزويلا، يوضح مشروع الصين– الجنوب العالمي الأمريكي أن بكين اختارت عمدًا الحد من مشاركتها العسكرية بناءً على تجارب سابقة مكلفة، فإهدار نحو 65 مليار دولار من القروض، إلى جانب التعامل مع نخبة سياسية فاسدة وغير كفؤة، ترك أثرًا دائمًا في الحسابات الاستراتيجية الصينية.

ويظل المجال الوحيد الذي بقيت فيه الصين مفيدة اقتصاديًّا هو المساعدة في الالتفاف على العقوبات.

ويرى المجلس الأطلسي، أن الشراكة بين الصين وفنزويلا لا تتضمن أي ضمانات أمنية.

وستعاني الصين ضررًا محدودًا في سمعتها على المدى الطويل كشريك دبلوماسي موثوق نتيجة فشلها في الدفاع عن فنزويلا عسكريًّا.

ويسمح هذا الموقف المحسوب لبكين بالحفاظ على علاقات اقتصادية دون تحمّل أعباء التزامات عسكرية قد تجرّها إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.

تداعيات العملية الأمريكية في فنزويلا

تقول شبكة "سي بي إس" الإخبارية، إن الرابطة الاقتصادية كانت حيوية لنظام الرئيس الفنزويلي المعزول نيكولاس مادورو أكثر من كونها مهمة للصين.

وشكّلت مشتريات الصين نحو 80% من إجمالي صادرات فنزويلا النفطية التي بلغت أقل من مليون برميل يوميًّا خلال عام 2025، مقارنة بنحو ثلاثة ملايين برميل يوميًّا قبل 25 عامًا.

وقال مايكل سوبوليك، من معهد "هدسون"، إن أي دولة تمتلك معدات دفاعية صينية باتت تعيد تقييم مدى قدرتها الحقيقية على الصمود أمام الولايات المتحدة، كما تلاحظ أن الضمانات الدبلوماسية الصينية لكل من إيران وفنزويلا لم تترجم إلى حماية فعلية عند وصول القوة العسكرية الأمريكية.

ويرى كريغ سينغلتون، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن الهجوم كشف الفجوة بين خطاب الصين كقوة عظمى وبين مستوى نفوذها الحقيقي في نصف الكرة الغربي، إذ تستطيع بكين الاحتجاج دبلوماسيًّا، لكنها لا تستطيع حماية الشركاء أو الأصول عندما تقرر واشنطن ممارسة ضغط مباشر.

التداعيات الاقتصادية على الصين

بحسب "سي بي إس" الإخبارية، تواجه الصين مخاطر كبيرة، من بينها احتمال إعادة توجيه جزء من أمن الطاقة الفنزويلي بعيدًا عن الصين نحو الولايات المتحدة أو أسواق أخرى نتيجة التحركات الأمريكية الأخيرة.

وأشار خبراء إلى أن لدى الصين بدائل لتعويض خسارة فنزويلا، لكن الأمر لن يكون سهلًا، خاصة في ظل تزامن الضغوط الأمريكية على إيران، التي تُعد أحد مصادر النفط الرئيسية الأخرى للصين.

إيران.. مخاطر أكبر للصين

غير أن صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" ترى أن الصين لديها المزيد لتخسره في حال سقوط النظام الإيراني مقارنة بفنزويلا؛ نظرًا للوزن الاستراتيجي الكبير لإيران بالنسبة لبكين، وأي تدخل أمريكي سيُلحق ضررًا مباشرًا بالمصالح الاقتصادية الصينية.

وتواصل إيران الإنتاج بمستويات قياسية رغم العقوبات، وأصبحت الصين المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، حيث شكّل النفط الإيراني نحو 13.6% من مشتريات الصين النفطية في النصف الأول من عام 2025.

إلا أن "إيران إنترناشيونال" تحذر من أن تكاليف التهرب من العقوبات باتت مرتفعة للغاية، وتشمل عمليات نقل معقدة، ووثائق مزورة، ووسطاء متعددين، وتأمين غير تقليدي.

وتحذر منصة "ديسكفري أليرت" من أن التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا يخلق سابقة خطيرة لمنتجي النفط الخاضعين للعقوبات، إذ بات على المصافي الصينية تقييم احتمال تعرض إمدادات النفط الإيراني لسيناريو مماثل.

كما أن الاقتصاد الإيراني الذي صمد لسنوات من العقوبات، يواجه حاليًّا انهيارًا حادًّا في العملة، رغم استمرار صادرات النفط الخام – ومعظمها إلى الصين – فيما تواصل الولايات المتحدة تشديد الخناق على "أسطول الظل" والميسرين لهذه التجارة.

أخبار ذات علاقة

اعتقال مادورو يهدد التكنولوجيا الصينية

اعتقال مادورو يهدد قلب التكنولوجيا الصينية.. كيف ذلك؟

التداعيات الاستراتيجية الأوسع

ويحذر مركز الاستراتيجية البحرية من أن الصين وإيران وروسيا قد تحاول نقل نماذج التعاون البحري الناجحة في البحر الأحمر إلى البحر الكاريبي، ما قد يشكل تحديًا للوجود البحري الأمريكي.

وترى مؤسسة بروكينغز أن العقوبات تظل أداة مهمة لفرض تكاليف وإرسال إشارات سياسية، لكنها تُفقد فعاليتها عندما تتمكن الأنظمة من تصدير الضغط والانتظار لتجاوز الألم الاقتصادي، كما حدث في فنزويلا وروسيا وإيران.

وفي ملف إعادة هيكلة الديون، تضيف بروكينغز أن الصين قد تجادل بأن أي خسائر في مطالباتها الفنزويلية تعود أساسًا إلى التدخل العسكري الأمريكي، لا إلى اختيارات السياسة الفنزويلية وحدها.

براغماتية بلا بطولة

تكشف استراتيجية الصين في المنطقة الرمادية عن نهج بالغ الحسابات يهدف إلى تعظيم المكاسب الاقتصادية مع تقليل المخاطر السياسية والعسكرية. 

ويتيح هذا النموذج لبكين الحفاظ على علاقات مع دول خاضعة للعقوبات دون الالتزام بالدفاع العسكري عنها، لكنه في الوقت نفسه يبرز حدود القوة الصينية عند لحظة المواجهة المباشرة.

في المحصلة، تظل الصين قوة اقتصادية عظمى، لكنها غير مستعدة للمخاطرة بمواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة دفاعًا عن أنظمة معاقَبة، ما يجعل دبلوماسيتها "رمادية" بكل معنى الكلمة: لا سلام كامل ولا حرب، بل براغماتية حذرة تضع المصلحة الوطنية فوق أي التزام آخر.

 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC