البرلمان اللبناني يقرر تأجيل الانتخابات التشريعية لمدة عامين
سلّط تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية الضوء على نقاش استراتيجي قديم عاد إلى الواجهة مع الحملة العسكرية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يفيد بأنه: هل يمكن للقوة الجوية وحدها أن تُضعف نظاماً سياسياً إلى حد إسقاطه، أم أن التجارب التاريخية تشير إلى أن تغيير الأنظمة يتطلب وجود قوات على الأرض؟
وبحسب الصحيفة، عندما أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أمله في أن تؤدي الحرب الجوية ضد إيران إلى إسقاط النظام، كان يراهن على سيناريو نادر في تاريخ الحروب الحديثة. فالغارات الجوية والصواريخ قادرة على إضعاف القدرات العسكرية وتدمير البنية التحتية، لكنها نادراً ما تكون كافية وحدها لإطاحة حكومات واستبدالها بأخرى.
وقد عبّر ترامب بوضوح عن رغبته في تغيير النظام. فبعد ساعات من بدء الضربات الأولى، دعا الإيرانيين إلى الانتفاض ضد قيادتهم، قائلاً إن ذلك قد يكون "فرصتكم الوحيدة لأجيال".
وفي تصريحات لاحقة خلال الأسبوع، ذهب أبعد من ذلك، مشيراً إلى أن واشنطن يجب أن يكون لها دور في اختيار القيادة المقبلة في إيران.
وكتب على منصة "تروث سوشيال" أن الولايات المتحدة ستصر على "استسلام غير مشروط"، و"اختيار قائد أو قادة عظماء ومقبولين" قبل التوصل إلى اتفاق يهدف إلى إعادة إيران من حافة الدمار.
في المقابل، حرص القادة العسكريون الأمريكيون على خفض سقف التوقعات في إحاطاتهم الإعلامية، مؤكدين أن أهداف العمليات الحالية تتركز أساساً على تقليص القدرات العسكرية الإيرانية أكثر من تغيير النظام.
ووفق ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين عسكريين، تهدف الحملة إلى تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية والطائرات المسيّرة الهجومية والسفن التي تشكل تهديداً للقوات الأمريكية وحلفائها في المنطقة، إضافة إلى استكمال تدمير ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني.
وقال الأدميرال براد كوبر، قائد "القيادة المركزية الأمريكية" التي تشرف على العمليات، إن الضربات قد تفيد المعارضة الإيرانية بشكل غير مباشر من خلال استهداف المؤسسات الأمنية التي تُستخدم لقمع الاحتجاجات.
كما دعا كوبر الإيرانيين إلى البقاء في منازلهم و"الالتزام بالهدوء"، مشيراً إلى أن الضربات تركز على البنية الأمنية للنظام وليس على السكان.
لكن الجيش الأمريكي لم يتعهد بإسقاط النظام أو العمل على إيصال قيادة جديدة إلى السلطة في طهران. كما لم تعلن واشنطن عن تسليح المعارضة أو توفير غطاء جوي لأي تمرد محتمل داخل البلاد.
ويكشف اختلاف أهداف الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل أيضاً جانباً من حدود ما يمكن أن تحققه القوة الجوية وحدها.
فقد أوضح إلبريدج كولبي، المسؤول الأعلى عن السياسات في وزارة الدفاع الأمريكية، أمام الكونغرس أن البنتاغون يركز على أهداف "محددة ومعقولة" تتمثل في تقويض القدرات العسكرية الهجومية لإيران.
وعندما سُئل عن سبب بدء الحرب بضربة جوية أدت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، أجاب باقتضاب: "هذه عمليات إسرائيلية".
رغم كثافة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، يرى محللون أن الهياكل الأساسية للنظام الإيراني لا تزال قائمة حتى الآن.
ويُعد الحرس الثوري الإيراني، الذي تأسس عام 1979 لضمان بقاء النظام الثوري، أحد أهم هذه الهياكل، إذ يضم نحو 190 ألف جندي في الخدمة الفعلية، إلى جانب أكثر من 300 ألف جندي في الجيش النظامي.
كما يستطيع النظام تعبئة نحو 600 ألف عنصر من ميليشيا "الباسيج"، وفق تقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
وبعد مقتل خامنئي، اجتمعت هيئة مكوّنة من 88 عضواً لاختيار خلف له، وقررت تعيين نجله مجتبى خامنئي مرشداً أعلى جديداً، في خطوة تشير إلى أن آليات انتقال السلطة داخل النظام لا تزال تعمل.
ويرى محللون أن أول المؤشرات على احتمال انهيار النظام ستكون انشقاقات داخل هذه الأجهزة الأمنية أو رفض تنفيذ الأوامر، كما حدث خلال الثورة الإيرانية عام 1979. كما قد يشكل إضراب واسع لعمال قطاع النفط مؤشراً آخر على تراجع قبضة النظام.
غير أن مثل هذه المؤشرات لم تظهر حتى الآن. وقال آلان آير، وهو دبلوماسي أمريكي سابق شارك في فريق التفاوض النووي مع إيران، في تصريحات: "لا نرى هذه المؤشرات، ومن غير المرجح أن نراها، لأن الحرس الثوري والنخب المرتبطة بالنظام هي الأكثر استفادة من الوضع القائم".
ولهذا السبب تعود النقاشات العسكرية مجدداً إلى سؤال قديم: إلى أي مدى يمكن للقوة الجوية وحدها أن تحسم الحروب؟
ففي عام 1921، طرح الجنرال الإيطالي جوليو دوهيه في كتابه "السيطرة على الجو" نظرية تقول إن القصف الاستراتيجي قادر على حسم الحروب عبر تدمير "المراكز الحيوية" للدولة مثل الصناعة والنقل والاتصالات والحكومة وإرادة الشعب.
غير أن التطبيق العملي لهذه النظرية كان محدوداً. فرغم الدور الكبير للقصف الجوي في الحرب العالمية الثانية، فإن هزيمة ألمانيا تحققت بعد هجمات برية واسعة للحلفاء. كما أن اليابان لم تستسلم إلا بعد استخدام الولايات المتحدة السلاح النووي.
ومع تطور تقنيات الطائرات الشبح والأسلحة الدقيقة، عاد الاهتمام بدور القوة الجوية في حسم النزاعات. ففي حرب الخليج عام 1991، نفذت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة حملة جوية استمرت 38 يوماً قبل أن تبدأ حرباً برية قصيرة انتهت بإخراج القوات العراقية من الكويت.
وتشير "وول ستريت جورنال" إلى أن نمطاً مشابهاً تكرر في كوسوفو عام 1999 وليبيا عام 2011، حيث لعبت الضربات الجوية دوراً مهماً، لكنها اعتمدت في النهاية على قوات محلية على الأرض.
وقالت كيلي غريكو، الخبيرة في شؤون القوة الجوية في مركز ستيمسون: "ما يظهر باستمرار هو أن القوة الجوية فعالة جداً، لكنها تكون أكثر فاعلية عندما تكون جزءاً من قوة مشتركة".
يرى خبراء أن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة التغيير السياسي نفسه. فالقصف الجوي يمكن أن يدمّر القدرات العسكرية ويعطّل مراكز القيادة، لكنه نادراً ما يوفر بديلاً سياسياً قادراً على الحكم.
وقال فرانك كيندال، وزير سلاح الجو الأمريكي السابق، إن القوة الجوية قادرة على تحقيق الكثير من الأهداف العسكرية، "لكن تغيير الأنظمة ليس من بينها".
حتى أبرز المدافعين عن الحروب الجوية يقرّون بأن التحول السياسي يتطلب فاعلين داخل الدولة نفسها.
وقال العقيد المتقاعد في سلاح الجو جون واردن، أحد أبرز منظّري القوة الجوية: "يمكنك حرمان الدولة من القدرات التي تجعلها تهديداً، لكن إذا أردت حكومة جديدة، فعلى شخص ما داخل البلاد أن يتقدم ويتولى زمام الأمور".