رسم خبراء صورة قاتمة لما ستؤول إليه مجريات الأحداث في غرينلاند، متوقعين أن "النفوذ الأمريكي سيشكل القرارات السياسية داخل الجزيرة وستخضع لها في النهاية".
وتوقع الخبير السياسي أندرسون ريفيرول أن "القانون نادراً ما يتجاوز القوة في عالم تحكمه المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى".
لكن في انتخابات وُصفت بأنها الأكثر أهمية في تاريخ غرينلاند، أصرت الأحزاب السياسية على حق الجزيرة في تقرير المصير رافضة خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تحدٍ مباشر لهذه التوقعات المتشائمة ومؤشر واضح على تصميم الغرينلانديين على رسم مستقبلهم بأيديهم.
فاز حزب الديمقراطيين الوسطي بأكبر عدد من الأصوات (29.9%)، بينما جاء حزب ناليراك الأكثر تشدداً في المطالبة بالاستقلال ثانياً (24.5%). ينس-فريدريك نيلسن، زعيم الديمقراطيين ورئيس الوزراء المحتمل، وصف ترامب بأنه "تهديد لاستقلالنا السياسي".
في مناظرة تلفزيونية نهائية، عبّر قادة جميع الأحزاب الخمسة الممثلة في البرلمان عن عدم ثقتهم بترامب، في إجماع وطني نادر. رئيس الوزراء السابق موتي بوروب إيجيدي قال: "نستحق أن نُعامل باحترام، وأعتقد أن الرئيس الأمريكي لم يفعل ذلك مؤخراً".
كما أن استطلاعا في يناير أظهر أن 85% من الغرينلانديين لا يريدون الانضمام للولايات المتحدة، بينما 84% يدعمون الاستقلال عن الدنمارك.
رغم الإجماع على رفض الهيمنة الأمريكية، يواجه الغرينلانديون معضلة اقتصادية حقيقية. الدنمارك تدعم الاقتصاد المحلي بأكثر من نصف مليار دولار سنوياً، تعادل ثلثي الميزانية الحكومية. استطلاع 2025 أظهر أن 61% يعارضون الاستقلال إذا كان يعني انخفاض مستوى المعيشة.
كاري وينثر هانسن، عالم أحياء عمل في غرينلاند، قال: "عندما يُنتخب السياسيون الغرينلانديون، يدركون أن الاستقلال غير ممكن بسبب الاقتصاد".
نيلسن، زعيم الديمقراطيين، يفضل النهج التدريجي: "نريد المزيد من الأعمال لتمويل رفاهيتنا، لا نريد الاستقلال غداً، نريد أساساً جيداً". بينما اقترح بيلي بروبيرج، زعيم ناليراك، إمكانية الحصول على وضع ارتباط حر مشابه لميكرونيزيا أو بالاو.
دواين رايان مينيزيس، مدير معهد أبحاث القطب الشمالي في المملكة المتحدة، قال: "نجاح الديمقراطيين وناليراك يشير إلى أن كثيرين يسعون للاستقلال لكنهم يهتمون بنفس القدر بالقضايا الاجتماعية مثل الرعاية الصحية والتعليم والتوظيف".
من جهته، يضع المحلل ريفيرول الصراع على غرينلاند في سياق أوسع، موضحاً أن "ما نشهده حالياً هو ديناميكية كلاسيكية للمنافسة بين القوى العظمى، حيث لم يعد الهدف مقتصراً على السيطرة الإقليمية، بل يركز على الوصول إلى الموارد الاستراتيجية".
ويشير إلى أن "الاهتمام المتزايد للولايات المتحدة ليس استراتيجية هجومية جديدة بقدر ما هو رد فعل متأخر على منافسة متزايدة الكثافة بين القوى الكبرى"، في ظل الصعود السريع للصين وتوسع النفوذ الروسي. يضيف: "تظهر جرينلاند كساحة استراتيجية أخرى، مساحة نفوذ وموارد حيث تسعى القوى الكبرى للتقدم".
كما يحذر ريفيرول في حديثه لـ"إرم نيوز" من أن "الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى القدرة الفعالة للاستجابة بشكل حاسم للمنافسة الاستراتيجية عالية الكثافة"، مشيراً إلى أن "هيكل صنع القرار يتطلب إجماعاً بين جميع الدول الأعضاء، وفي بيئة عالمية تتطلب استجابات سريعة، يثبت هذا النموذج أنه غير ملائم".
مع ذلك، يوفر قانون الحكم الذاتي لعام 2009 حماية دستورية لحق تقرير المصير، محدداً عملية تتطلب موافقة برلمان غرينلاند والشعب في استفتاء، مما يجعل أي تدخل عسكري أمريكي انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
حتى داخل الولايات المتحدة، يواجه مشروع ترامب معارضة جمهورية. زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون قال إن العمل العسكري "ليس خياراً". السناتوران توم تيليس وجين شاهين حذرا من أن "إخضاع حليف الناتو للإكراه يقوض مبادئ تقرير المصير التي يوجد تحالفنا للدفاع عنها".
ميتش ماكونيل، السناتور الجمهوري البارز، قال إن "استخدام القوة لضم الإقليم سيكون عملاً كارثياً من الأذى الذاتي الاستراتيجي لأمريكا ونفوذها العالمي".
الغرينلانديون ليسوا ضد التعاون مع الولايات المتحدة، لكنهم يرفضون الهيمنة. السياسيون أشاروا إلى انفتاحهم على صفقات لتعدين العناصر النادرة، وتوسيع السياحة، وعلاقات دبلوماسية أقوى واستثمارات، لكن دون التخلي عن السيادة.
وزير الدفاع الدنماركي ترويلز لوند بولسن أكد أن مستقبل غرينلاند متروك للغرينلانديين، وليس للولايات المتحدة، بينما وصفت رئيسة الوزراء الدنماركية النتائج بأنها "احتفال بالديمقراطية".
التحدي الحقيقي الآن هو بناء اقتصاد مستقل قادر على دعم السيادة السياسية. السؤال ليس إن كانت غرينلاند ستحمي حق تقرير المصير، بل كيف ستوازن بين الاستقلال السياسي والاستدامة الاقتصادية في عصر تعيد فيه القوى العظمى رسم خريطة النفوذ العالمي.