عراقجي يقول إن طهران توصلت مع واشنطن إلى "مبادئ توجيهية" لنص اتفاق
تتقاطع اعتبارات سياسية وميدانية في ظل الحديث المتزايد عن نشر قوة دولية في قطاع غزة؛ ما يعقِّد مهمة القوة التي بدأت ملامح قوامها تتضح بعد إعلان دول نيتها المشاركة في هذه القوة، وترجيحات بمشاركة دول أخرى.
واستبقت حركة حماس تشكيل هذه القوة بإعلان بترحيب مشروط بما اعتبرت أنها "معايير صارمة" لآلية عمل القوة الدولية، وأماكن انتشارها، في ظل الضغوط التي تواجهها الحركة لنزع سلاحها، ضمن متطلبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.
وتقول الحركة إن قبولها بنشر هذه القوة، مرهون بعدم تحولها إلى أداة تهدف إلى تغيير الواقع السياسي أو الأمني الداخلي في القطاع تحت غطاء دولي، مشددة على أن الدور الوحيد الذي تقبله لها أن تكون "قوة عازلة" على الحدود بين إسرائيل وغزة.
وأبدت الحركة معارضة لِما وصفته بـ"محاولة" توسيع مهام هذه القوات لتشمل التدخل في الشؤون المدنية أو الإدارية أو الأمنية الفلسطينية، معتبرة أنها ستتعامل معها في حال حدث ذلك كـ"قوة احتلال".
ويرى الباحث في القانون الدستوري والقانون الدولي جمال حرفوش، أن مسألة القوات الدولية في السياق الفلسطيني لا يمكن اختزالها في شروط أي فصيل، وأن القضية الفلسطينية محكومة بإطار قانوني دولي واضح.
ويقول حرفوش لـ"إرم نيوز" إن "أي وجود دولي يجب أن يستند إلى تفويض قانوني صريح من مجلس الأمن أو جهة دولية مختصة، وموافقة الجهة الفلسطينية المعترف بها دوليًّا، مع احترام الاتفاقيات الموقعة باسم منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني".
ويضيف أن "شروط أي فصيل، بما في ذلك حركة حماس، تعكس حسابات سياسية وأمنية داخلية، لكنها لا تنشئ ولا تسقط المشروعية الدولية بذاتها، وأن العامل الحاسم يتمثل في الإطار القانوني الدولي وموقف السلطة الوطنية الفلسطينية والتوازنات الإقليمية والدولية".
ويؤكد حرفوش أن "تمسك أي جهة بشروطها لن يقود إلى فراغ بقدر ما سيؤدي إلى مزيد من التعقيد السياسي والأمني"، محذرًا من أن غياب التوافق الوطني ومرجعية قانونية دولية واضحة لأي انتشار عسكري سيجعل أي قوة دولية عرضة للطعن في مشروعيتها وربما الفشل العملي.
ويشير إلى أن الحل يكمن في إعادة بناء وحدة الموقف الفلسطيني ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وتثبيت مرجعية القانون الدولي، والانتقال من إدارة الأزمة إلى مسار حقيقي لإنهاء السيطرة الإسرائيلية على قطاع غزة.
بينما يرى المحلل السياسي هاني العقاد أن القوة الدولية في قطاع غزة لم تتشكل بموافقة أو رفض حركة حماس، بل جاءت بقرار دولي اعتمده مجلس الأمن بعد موافقة كل من حركة حماس وإسرائيل على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء الحرب؛ ما منح "هذه القوة" الشرعيةَ المطلوبة لتشكيلها.
ويقول العقاد لـ"إرم نيوز": "حركة حماس تحاول حاليًّا البحث عن أي إجراء يحفظ بقاء شرعيتها في القطاع، وإن الحركة تسعى للبقاء في المشهد السياسي ولو كسلطة في الظل، حتى وإن كانت منزوعة السلاح".
ويضيف أن "الشروط التي تطرحها حركة حماس لا تحدد طبيعة عمل قوة الاستقرار الدولية، إذ إن مهام هذه القوة سيحددها مجلس السلام في اجتماعه الأول المرتقب في واشنطن يوم الـ19 من فبراير/شباط".
ويشير إلى أن قرار تموضع هذه القوات لا تملكه حركة حماس، بل تقرره أطراف دولية وإقليمية معنية، رغم تأكيده أهمية أن تعمل هذه القوات على الفصل بين القوات الإسرائيلية والمناطق التي يسكنها فلسطينيون في المناطق الحدودية من قطاع غزة.
ولا يعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، أن شروط حركة حماس ستشكل عائقًا أمام انتشار القوة متعددة الجنسيات، خاصة أن ملف نزع سلاح الحركة سيتزامن مع عملية الانتشار.
ويقول العقاد إنّ "العائق المحتمل قد يأتي من الجانب الإسرائيلي الذي يرغب بأن تكون مهمة القوة الدولية نزع السلاح، وهو دور ترفضه معظم الدول، مع إمكانية أن تتسلم القوة السلاح وتنقله إلى طرف ثالث وفق ترتيبات متفق عليها".
ويضيف أن "حركة حماس في ظل ما فقدته من قدرات عسكرية وسياسية، لا تملك فرض شروطها، وخسائرها لم تكن نتيجة الحرب فقط، بل أيضًا بسبب رفضها طروحات سابقة لإنهاء الحرب كانت أفضل من الخطة الحالية".
ويلفت العقاد إلى أن "تمسك حركة حماس بشروطها قد لا يخدم سكان غزة الذين يأملون أن يؤدي نشر القوة متعددة الجنسيات إلى انسحاب إسرائيل إلى ما قبل الخط الفاصل بقليل، بما يوقف القتل اليومي ويكرس التزامًا حقيقيًّا بوقف إطلاق النار، ويمهد لعودة السكان إلى مناطقهم، وبدء مرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار".
ويعتقد المحلل السياسي سعيد شاهين أن شروط حركة حماس تُعقّد تشكيل القوة الدولية، لأنها تضع المجتمع الدولي أمام "تفويض هجين"، إمّا قوة ضعيفة تكتفي بالمراقبة وتسمح ببقاء الحركة مسلحة، وهو أمر مرفوض إسرائيليًّا وأمريكيًّا، وإمّا قوة قوية تواجه حركة حماس، وهو خيار مرفوض فلسطينيًّا ودوليًّا.
ويقول شاهين لـ"إرم نيوز": "هذه المعادلة تمثل معضلة حقيقية قد تؤخر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، في وقت تنتهك فيه إسرائيل الاتفاق للتهرب من استحقاقاته، رغم أن الغزيين يرونه طوق النجاة لبقائهم على أرضهم".
ويضيف أن "شروط حركة حماس قد تبدو منطقية ووطنية، لكنها تفتقر لأوراق القوة التي تمكّنها من فرضها، خصوصًا في ظل غياب حلفاء قادرين على دعمها في إدارة القطاع أو مواجهة الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة".
ويشير إلى أن حجم الضغوط التي يعيشها سكان غزة من قتل وتدمير ونزوح وتجويع يفرض على الحركة الاستجابة لمطالب الشارع بالتنحي، وإفساح المجال أمام قوة دولية تمارس مهامها بما يحظى بقبول فلسطيني.
وحول السيناريوهات المتوقعة حول عمل القوة، يقول إن "السيناريو الأول يتمثل في رفض حركة حماس نزع سلاحها مقابل إصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على ذلك؛ ما يعني طريقًا مسدودًا يوسع الفجوة ويعطل إتمام المرحلة الثانية، وإطلاق عملية الإعمار".
ويشير إلى أن السيناريو الثاني، أن تدفع الضغوط الدولية والإقليمية، ورغبة الإدارة الأمريكية في تسجيل إنجاز سياسي، نحو حل وسط يقوم على تثبيت وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وتشكيل حكومة تكنوقراط، مع تأجيل القضايا الأكثر تعقيدًا مثل نزع السلاح وطبيعة القوة الدولية إلى مراحل لاحقة.