logo
العالم العربي
خاص

حزب الله "بلا مظلة".. تفكك الغطاء الداخلي يعقّد معركة السلاح

صورة لنصرالله وسط الدمار في الضاحية الجنوبية

لم يعد حزب الله يواجه فقط ضغطا عسكريا متصاعدا على الحدود، ولا نقاشا سياسيا حول سلاحه ودوره، بل يدخل اليوم مرحلة أخطر بكثير، هي مرحلة تآكل "المظلة" التي كانت تحميه داخل الدولة.

هذا المعطى تلتقطه مصادر لبنانية ودبلوماسية تتحدث عن تغير تدريجي في قواعد الاشتباك الداخلية مع الحزب، حيث لم تعد الأولوية منع استفزازه أو تجنب الصدام معه، بل تحييد الدولة عن تبعاته، وتقليل كلفة استمرار وضعه كما كان. 

أخبار ذات علاقة

زعيم حزب الله نعيم قاسم

تهديدات قاسم.. حزب الله يطرح "ورقته الأخيرة" لإرباك خطة شمال الليطاني

مصادر سياسية مطلعة تقول لـ"إرم نيوز" إن التبدل الجاري لا يأخذ شكل قرار كبير يُعلن على الشاشات، بل يتقدم بصمت، خطوة خطوة، داخل المؤسسات والميزانيات والآليات الأمنية، وفي خلفيته ضغط أمريكي وغربي واضح عنوانه: "لبنان لا يمكنه أن يبقى رهينة بندقية الحزب". هذا التغيير يجعل الحزب أمام واقع جديد، فحتى لو بقي سلاحه في مكانه، فإن قدرة السلاح على فرض معادلاته داخل الدولة تتراجع.

الغطاء السياسي يتآكل

طوال سنوات، لم يكن حزب الله بحاجة إلى إقناع الجميع به، كان يكفيه "الحد الأدنى من الغطاء" كي تمر حكومات وتتعطل أخرى، وكي تتحرك الدولة ضمن هامش يراعي وجوده.

أما اليوم، فتقول مصادر متابعة إن هذا الغطاء بدأ يتفكك من الداخل، لا لأن القوى السياسية تحولت فجأة إلى جبهة واحدة ضده، بل لأن ميزان الكلفة تبدل، ذلك أن حماية الحزب لم تعد مجرد اصطفاف سياسي، بل أصبحت مرتبطة بعقوبات وضغوط ومساعدات وشرعية دولية، وفي بلد هش اقتصاديا مثل لبنان، لا أحد يريد أن يدفع الثمن وحده.

الأخطر بالنسبة للحزب أن بعض حلفائه باتوا يمارسون ما يشبه "الدعم البارد" من خلال تصريحات محسوبة، سقوف منخفضة، وتجنّب للاشتباك معه في العلن، لكن أيضا تجنّب الدفاع عنه في مفاصل القرار.

مصادر لبنانية تقول إن الحزب يقرأ هذا السلوك على أنه بداية "مسافة آمنة" تحاول قوى سياسية بناءها مع الخارج، وهو ما يُضعف فكرة أن أي ضربة للحزب ستعني تلقائيا انفجارا سياسيا داخليا شاملا.

الدولة تغيّر قواعدها

في الماضي كانت الدولة اللبنانية تتحرك وفق مبدأ التوازن، فلا تُحرج الحزب كثيرا، ولا تُحرج خصومه كثيرا، وتُبقي الباب مفتوحا أمام التسويات. لكن مصادر دبلوماسية لبنانية تشير إلى أن المرحلة الحالية تُدار بعقلية مختلفة؛ فالدولة لم تعد قادرة على ترف الغموض، لأنها مطالبة بتقديم "إشارات قابلة للقياس" حول سيادتها وقرارها الأمني، وإلا فإنها ستواجه مزيدا من الضغوط وربما تراجعا في الدعم الدولي.

تستدرك المصادر بأن ذلك لا يعني أن الدولة أصبحت قوية فجأة، لكنه يعني أنها أصبحت مضطرة لتقليل الفاتورة. وفي الحسابات الدولية، الفاتورة اسمها "سلاح حزب الله".

ولهذا السبب، يتقدم مسار داخلي غير معلن لتجفيف مساحات نفوذ الحزب داخل المؤسسات، ليس عبر شعارات كبيرة، بل عبر أدوات صغيرة، على شكل قرارات إدارية، تعيينات أكثر تشددا، تشدد أكبر في الملفات الحساسة، وإعادة تعريف الأولويات داخل الحكومة والوزارات والأجهزة.

مصادر سياسية في بيروت تلخص الأمر بهذه العبارة: "الدولة لم تتحول إلى خصم للحزب، لكنها لم تعد مظلة له". 

أخبار ذات علاقة

عناصر مسلحة من ميليشيا حزب الله

بين السلاح والتهديد الخطابي.. حزب الله يخطط لفرض واقع سياسي جديد في لبنان

الجيش كقوة فصل

التحول الأكثر حساسية في المشهد هو دور الجيش اللبناني. فالجيش تاريخيا كان "جسر تهدئة" يمنع الصدام الداخلي ويضبط الحدود ويحتوي الاحتكاكات، لكن وفقا لمصادر أمنية، هناك دفع واضح باتجاه أن يكون الجيش في المرحلة المقبلة قوة فصل داخل مناطق حساسة، خاصةً في نطاق جنوب الليطاني وما قد يتوسع لاحقا إلى ما بعده.

هنا يتشكل ضغط مزدوج على الحزب. فمن جهة، لا يريد الحزب أن يظهر في صورة من يعرقل الجيش أو يصطدم به، لأن ذلك سيحرجه أمام الداخل، وسيمنح إسرائيل ذريعة ذهبية لتوسيع اعتداءاتها. ومن جهة أخرى، هو يدرك أن توسع دور الجيش في مناطق نفوذه ليس مجرد خطوة أمنية، بل جزء من صيغة دولية تريد أن تجعل الدولة "تتقدم" بينما يتراجع الحزب.

وتؤكد المصادر أن هذا المسار لا يُدار بمنطق الاشتباك المباشر، بل بمنطق "نقل المسؤولية"، فالدولة تتحرك، الجيش ينتشر، والحزب يُدفع إلى الزاوية كي يختار بين الانسحاب الصامت أو المواجهة المكلفة، وفي كلتا الحالتين، يتآكل الغطاء الذي كان يحصّنه.

"البيئة" تتعب بصمت

نقطة الضعف الجديدة لدى حزب الله لا تقف عند السياسة أو المؤسسات فقط، بل تمتد إلى مزاج بيئته الاجتماعية. مصادر مقربة من الحزب تقول لـ "إرم نيوز" إن البيئة لم تنقلب على الحزب، لكنها دخلت مرحلة "التعب الصامت" إذ يؤرقها الخوف من حرب جديدة، وضغط معيشي، ونزيف اقتصادي، وتآكل القدرة على تحمل دورة صراع طويلة لا تبدو لها نهاية.

وتضيف: "هذا التعب لا يُترجم مباشرة إلى احتجاجات أو انفلات، لكنه يترجم إلى شيء أخطر للحزب؛ فتور في الحماس، انخفاض في القدرة على ضبط المزاج العام، وارتفاع في الأسئلة التي كانت تُعتبر محرّمة سابقا".

وتشير إلى أنه "حين تتغير البيئة، ولو تدريجيا، تتغير معها قدرة الحزب على الاستفادة من فكرة "الالتفاف المطلق" وقت الأزمة.
وفي المقابل، تدرك إسرائيل والولايات المتحدة هذه النقطة جيدا، وتراهنان على أن الضغط المتدرج سيجعل الحزب عاجزا عن خوض حرب جديدة وهو محاصر من الخارج ومتعب من الداخل، ويخسر تدريجيا ما كان يمنحه القدرة على فرض معادلاته.

من قوة ردع إلى عبء على الدولة

وفق تقدير مصادر سياسية لبنانية، فإن حزب الله يقترب من أخطر تحول في مسيرته، وهو الانتقال من كونه "قوة ردع" في خطاب جزء من اللبنانيين، إلى كونه "عبئا على الدولة" في حسابات غالبية المؤسسات والطبقة السياسية.

هذا التحول، كما تقول، لا يحتاج إلى قرار رسمي لإعلانه، لأنه يحدث فعلا عبر الوقائع، فالدولة تريد أن تُنقذ نفسها من العقوبات ومن الانهيار، والحلفاء يريدون أن ينجوا بأنفسهم، والجيش يُدفع إلى الأمام، والبيئة تُستنزف. 

أخبار ذات علاقة

مؤيدون لحزب الله اللبناني

حصرية السلاح والمسار السياسي.. لبنان تحت الضغط وخيارات حزب الله تضيق

وبحسب المصادر، قد لا تكون معركة حزب الله القادمة مع إسرائيل وحدها، ولا مع الداخل وحده، بل مع لحظة تاريخية تتغير فيها قواعد الحماية، حيث يدخل الحزب مرحلة "بلا مظلة" يصبح فيها السلاح قائما، لكن الغطاء الذي كان يجعل السلاح يفرض منطقه داخل الدولة يتفكك قطعة قطعة.

والأخطر أن هذا النوع من التفكك لا يقدّم للحزب خصما واضحا يمكن ضربه أو التفاوض معه، بل يضعه أمام واقع جديد يقوم على أن لبنان يبتعد عنه تدريجيا، قبل أن تُفرض عليه معركة السلاح بشكل كامل.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC