وسائل إعلام إيرانية: تفعيل الدفاعات الجوية في وسط وشرق العاصمة
مئة واثنان وثلاثون عاماً من الاستعمار وجروح لم تندمل منذ 1962. هذا هو الثقل الذي يحمله القانون الجزائري الجديد لتجريم الاستعمار الفرنسي. لكن حين وصل النص إلى تصويته النهائي الاثنين 9 مارس/آذار، اختفت منه المادة الأكثر إثارةً للجدل: مطالبة فرنسا بـ"اعتذار رسمي".
برلمان يُجرّم الاستعمار بالإجماع ويتراجع في الوقت نفسه عن أبرز مطالبه. هل هو تراجع أم ذكاء دبلوماسي؟ وهل للانفراج الحذر مع باريس دور في هذا التحول؟
القانون الذي أقره مجلس الأمة الجزائري في نسخته المعدّلة يحتفظ بجوهره: تجريم الاستعمار الفرنسي الممتد من 1830 إلى 1962، وعقوبات سجن تتراوح بين 3 و10 سنوات لكل من "يمجّد الحقبة الاستعمارية" في الإعلام أو الأوساط الأكاديمية.
لكنه يحذف ما كان الأكثر إثارةً للجدل دبلوماسياً: مطالبة فرنسا بـ"اعتذار رسمي" و"تعويضات شاملة". ويُخفف كذلك توصيف التعاون الحركي مع الجيش الفرنسي من "خيانة عظمى" إلى مجرد "خيانة"، مع الإبقاء على تعويضات ضحايا التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية.
المشهد الكامل يكشف عن حسابات متعددة تتشابك، كما يشير أستاذ الجيوسياسة علي بن سعد من جامعة باريس الثامنة لصحيفة لوموند، موضحًا التناقض الجوهري في السياسة الجزائرية:"السلطة الجزائرية تميل دائمًا إلى استخدام التوتر مع فرنسا كورقة شرعية داخلية، لكنها تدرك في الوقت ذاته أنها لا تستطيع المضي بعيدًا في هذا الاتجاه".
ويبين أن النسخة الأولى من القانون التي صوّت عليها مجلس الشعب في ديسمبر/كانون الأول 2025 استقبلتها وزارة الخارجية الفرنسية بوصفها "تصرفاً عدائياً صريحاً".
ثم جاء مجلس الأمة الجزائري في يناير/كانون الثاني ليضع تحفظات على ثلاثة عشر مادة، فاشتغلت لجنة مشتركة بين الغرفتين على تعديل النص. المحصلة: قانون يُجرّم الاستعمار رمزياً لكن لا يُلزم فرنسا قانونياً بشيء.
لكن التوقيت يقول الكثير، ففي فبراير/شباط الماضي، زار وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز الجزائر العاصمة والتقى الرئيس عبد المجيدي تبون، في أول زيارة رفيعة المستوى منذ سنوات من التوتر المتقطع. الهدف المُعلن: "إعادة إطلاق تعاون أمني رفيع المستوى".
في أبريل/نيسان المقبل سيزور البابا ليون الرابع عشر الجزائر ثم عنابة في أول زيارة بابوية لأرض جزائرية، وهو ما يُقرأ في العواصم كرسالة انفتاح من الجانبين. نائب رئيس مجموعة الصداقة البرلمانية الفرنسية الجزائرية إيمانويل ماندون لم يخفِ ارتياحه: "لا يسعني إلا أن أرحب بكل ما يسير في اتجاه استعادة حوار بنّاء."
لكن مجلة جون أفريك تكشف عن بُعد آخر لا يُقال صراحةً: المشهد الجيوسياسي الإقليمي يُعجّل بالمصالحة. الجزائر فقدت اثنين من حلفائها التاريخيين في وقت قصير، فنزويلا بعد اعتقال نيكولاس مادورو في يناير/كانون الثاني، وإيران المنهكة تحت القصف الأمريكي الإسرائيلي.
في المقابل، الغاز الجزائري المتضخمة قيمته بفعل الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار النفط يُصبح ورقة استراتيجية ثمينة في مفاوضات أوروبا عن أمنها الطاقوي، مما يمنح الجزائر نفوذاً جديداً يدفعها إلى مقاربة مختلفة مع باريس.
المؤرخ حسني كيتوني، ابن قسنطينة الذي فقد والده في المقاومة ضد الاستعمار، يرفض تفسير التعديل بوصفه تنازلاً.
يرى أن حذف مادة الاعتذار كان ضرورة قانونية لا سياسية لأنها كانت "غير متسقة وغير قابلة للتطبيق، ولم تكن قلب القانون".
وأشار إلى أن القلب الحقيقي للنص في نظره يبقى في مبدأين: تجريم الاستعمار وعدم تقادم جرائمه، وهو ما استلهمه النص من المنظومة القانونية الدولية المنبثقة بعد الحرب العالمية الثانية.
والأهم أن الجزائر تُصبح أول دولة أفريقية تُشرّع قانوناً من هذا النوع في أعقاب مؤتمر أكرا 2023 الذي دعا إلى مساءلة رسمية للماضي الاستعماري.
كما أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سبق أن وصف الاستعمار العام 2017 بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، لكن حين وصل إلى السلطة لم يتمكن من ترجمة الوعد إلى اعتذار رسمي.
المشهد السياسي الفرنسي منقسم بحدة حول هذا الملف، والمطالبة باعتذار في عام الانتخابات ستُغلق الأبواب لا تفتحه.
ورغم ذلك يرى المحللون أن الملف لا يزال مفتوحاً: التجارب النووية في الصحراء، الأرشيف المحجوب جزئياً في باريس، رفات الشهداء المحتجزة في متاحف فرنسية، كلها بنود تبقى داخل القانون وتنتظر تفعيلاً.
وأن العلاقة بين الجزائر وفرنسا تفتح نافذة، لكن الجرح التاريخي أعمق من أن يُغلقه قانون معدّل أو زيارة وزير.