رأى مراقبون أن غياب المرجعية الدينية في النجف عن ملف ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية لم يكن موقفاً مفاجئاً.
وأشار المراقبون إلى أن هذا الغياب أكد مساراً متراكماً اختارت فيه النجف، منذ سنوات، الانتقال من دور التحكيم المباشر إلى موقع المراقبة العامة، بعد سلسلة تجارب اعتبرت فيها أن الطبقة السياسية لم تلتزم بتوصياتها الأساسية في إدارة الدولة.
وتقدَّم، الأحد، عدد من النواب الشيعة، من مقلدي السيستاني، بطلب لمعرفة الموقف الشرعي من آلية ترشيح أو انتخاب رئيس الوزراء المقبل، في ظل ما وصفوه بحساسية المرحلة، والتحديات الخطيرة التي يمر بها العراق.
وأكد النواب في الكتاب الموجه إلى المرجعية الدينية، أن عدم تدخلها في تشكيل الحكومات الأخيرة لا يعني بالضرورة غياب تحفظات سابقة، ولا يلغي دورها التاريخي كصمام أمان في اللحظات المفصلية.
وجاء هذا التحرك النيابي في ظل انسداد سياسي داخل "الإطار التنسيقي"، وتعدد القراءات لموقف النجف، خاصة مع تمسك الإطار بترشيح نوري المالكي، مقابل اعتراضات داخلية، وإقليمية، ودولية، على عودته إلى رئاسة الحكومة
توصيات عامة لا تدخل مباشر
في هذا الإطار، قال الباحث في الشأن السياسي أحمد الخضر في حديث لـ"إرم نيوز" إن "المرجعية الدينية في النجف أعلنت، منذ فترة طويلة، نأيها عن التدخل المباشر في الشأن السياسي، بعد أن قدّمت، خلال السنوات الماضية، الخطوط العريضة للحياة السياسية في العراق".
وأوضح أن "المرجعية ركزت في توصياتها المتكررة على حصر السلاح بيد الدولة، وأن يكون القرار العراقي بيد العراقيين، وعدم زج البلاد في مغامرات خارجية، فضلاً عن التشديد على أولوية الخدمات، ومكافحة الفساد بشكل جدّي، وعدم إثقال كاهل المواطنين بالضرائب والرسوم، مع تقديم الفاسدين إلى القضاء"، مؤكداً أن "هذه التوصيات قُدمت في مناسبات عديدة، لكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ العملي".
وبرغم سعي النجف الدائم إلى إبقاء نفسها خارج الاشتباك السياسي المباشر، إلا أن تاريخ العملية السياسية يكشف أن تأثيرها كان حاسماً في محطات معينة.
ففي انتخابات 2005، منح الخطاب الديني زخماً واضحاً للائتلاف العراقي الموحد، ما ساعد في ترجيح كفته داخل البرلمان الناشئ آنذاك.
وفي العام 2014، ومع اتساع الانهيار الأمني بعد سقوط الموصل، تلقت القوى السياسية رسالة واضحة من المرجعية بضرورة تغيير نوري المالكي، الذي أصر حينها على الولاية الثالثة، وهو ما مهد للتوافق على حيدر العبادي.
الابتعاد عن تسمية الأشخاص
من جانبه، قال أستاذ الإعلام غالب الدعمي إن "دور النجف لم يكن حاضراً حتى في الحكومات السابقة على مستوى اختيار الأشخاص، وإن الحديث عن تدخل المرجعية في تسمية بعض رؤساء الوزراء السابقين غير دقيق".
وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "آخر مرة كان فيها تدخل مباشر للمرجعية ارتبطت بمرحلة ما بعد العام 2014، حين جرى التعامل مع أزمة وطنية شاملة"، مؤكداً أن "المرجعية في الدورات اللاحقة تركت أمر اختيار رئيس الوزراء للأحزاب والكتل السياسية، وقدمت النصح العام دون الدخول في أسماء أو ترشيحات، وهو ما ينطبق على المرحلة الحالية".
ومنذ سنوات، أغلقت المرجعية الدينية في النجف أبوابها أمام السياسيين، بعد قناعة بأن الطبقة الحاكمة أخفقت في معالجة الفساد، وسوء الإدارة، وتراكم الأزمات الخدمية والاقتصادية، فضلاً عن ملف الجماعات المسلحة، ما دفع مكتب المرجعية إلى وقف استقبال الوفود الحزبية والرسمية، في رسالة فُهمت على أنها سحب للغطاء السياسي وعدم منح الشرعية لأي طرف.
انقسامات الإطار التنسيقي
ويأتي ذلك على وقع خلافات داخل "الإطار التنسيقي"، بسبب إصرار نوري المالكي على الترشح، حيث قاطع عمار الحكيم اجتماعاً للإطار رافضاً تسمية ما وصفه بـ"الشخصية الجدلية"، فيما أكد ائتلاف النصر أن مصالح الشعب تعلو على الأشخاص.
وكانت قوى داخل الإطار قد خاطبت المرجعية، في مراحل سابقة، بشأن قائمة ضمت 9 مرشحين لرئاسة الحكومة دون تلقي رد، كما خاطب عمار الحكيم المرجعية بشأن المالكي، فجاء الجواب بأن المرجعية لا تتدخل في اختيار الأشخاص.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى مختصون أن غياب النجف عن لحظة المالكي يؤشر إلى انتقال محسوب من دور التدخل إلى دور المراقبة، مع الإبقاء على الخطوط العامة التي رسمتها منذ سنوات، دون الانخراط في تفاصيل الصراع السياسي أو ترجيح كفة طرف على آخر، فيما يقول آخرون إن المرجعية ربما تحسم الأمور في حال تمسك المالكي بالترشح وأيقنت بوجود خطر على العملية السياسية.