في وقت تلوّح فيه إيران بتوسعة نطاق الصراع البحري ليشمل مضيق باب المندب، شهد اليمن مساء الأحد الماضي، هجوما جويا مجهولا استهدف أحد المواقع الحوثية المطلّة على خليج عدن والبحر العربي، في تطور ميداني يرى خبراء أنه قد يُدخل البلاد في طور الضربات الاستباقية الصامتة.
وتكشف "الغارة الغامضة" التي استهدفت منطقة "بركان" جنوبي مديرية مكيراس بمحافظة البيضاء، دون أن تتبناها أي جهة، عن نشاط حوثي متصاعد في المرتفعات الجبلية وسط البلاد.
وقد استُخدمت هذه المناطق خلال العامين الماضيين كإحدى أبرز مناطق انطلاق هجمات الميليشيا على السفن التجارية في الممرات الدولية، واستُحدثت فيها مخازن محصّنة داخل تضاريسها الوعرة لتخزين الأسلحة الاستراتيجية.
وتتزامن هذه التطورات مع عودة حاملة الطائرات الأمريكية "جيرالد فورد" مطلع الأسبوع الجاري، إلى مياه البحر الأحمر، بهدف تعزيز إجراءات حماية الملاحة الدولية.
وبينما لم تُعرف بعد طبيعة الهدف الذي طالته الغارة، يرى مراقبون أن تزامنها مع إعادة التموضع البحري الأمريكي يضعها في سياق رسائل ردع مبكرة، قد تكون مرتبطة برصد تحركات حوثية ذات صلة بأدوار تصعيدية مرتقبة في الممرات البحرية، مع وصول مفاوضات واشنطن وطهران، إلى مراحل شديدة الحساسية.
في هذا الإطار، يقول المحلل العسكري العقيد محسن الخضر، إن الهجوم الغامض لم يكن عشوائيا، بل طال هدفا ذا طبيعة عملياتية عالية الأهمية.
ورجح أن يكون الهدف إما منظومة رادار حوثية متقدمة أو منصة إطلاق صاروخي جرى نشرها في هذا المرتفع الجبلي الشاهق، الذي حوّلته الجماعة مؤخرا إلى نقطة ارتكاز تكتيكية لعملياتها خارج مياه البحر الأحمر.
وأضاف الخضر في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن تنفيذ العملية بواسطة طائرة مسيرة، عقب يومين من التحليق والرصد المكثّف، يعكس نمطا استخباراتيا احترافيا؛، ما يعزز فرضية أن الضربة كانت محددة الهدف، واستهدفت تعطيل قدرات ميدانية قبل تحولها إلى تهديد فعلي.
ويرى الخضر أن عدم إعلان أي طرف مسؤوليته عن الضربة ينسجم مع طبيعة المرحلة الحالية التي تتسم بحسابات دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، خصوصا في ظل اتفاق وقف النار بين الولايات المتحدة والحوثيين؛ ما يجعل خيار التحرك العسكري غير المعلن مطروحا عند الضرورة.
وبحسب تقديره، فإن هذه العملية تحمل عدة رسائل؛ فهي من جهة تعطّل أي قدرات ميدانية قد تُستخدم لتهديد الملاحة الدولية في حال تصاعدت المواجهات الإقليمية، ومن الجهة الأخرى توجه إنذارا مبكرا بأن أي تحركات حوثية لخلق تهديد بحري جديد قد تُفضي إلى تقويض التهدئة الهشّة بين الطرفين.
ويعزز الوجود الأمريكي في البحر الأحمر، وفقا لمحللين، الفرضيات التي تشير إلى أن التحركات العسكرية الجارية لا تقتصر على تأمين الملاحة، بل تسعى إلى رفع الجاهزية في مواجهة أي تهديدات قد تطال أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ومنع انتقال الصراع نحو باب المندب.
من جهته، يعتقد محلل الشؤون الأمنية عاصم المجاهد، أن قراءة دلالات الضربة لا تكتمل دون التوقف عند طبيعة الموقع المستهدف.
ويشير إلى أن "مرتفعات مكيراس ليست مجرد تضاريس جبلية معزولة، بل تمثل عقدة جغرافية تكتيكية تشرف على امتداد واسع من محافظة أبين، وتقترب من ساحل بحر العرب، على نحو يجعل أي نشاط عسكري فيها ذا صلة مباشرة بأمن الملاحة".
وتابع في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن هذه الميزة تمنح أي قوة متموضعة هناك قدرة على تقليص زمن الوصول إلى الأهداف البحرية، وتمكّنها من استخدام وسائل هجومية أقل كلفة، مثل الطائرات المسيّرة الانتحارية والصواريخ الموجهة التي تستفيد من عامل الارتفاع، بدل الاعتماد الحصري على منصات بعيدة المدى.
وأشار المجاهد إلى أن هذه المعطيات تجعل من الضربة الجوية المجهولة أقرب إلى إجراء استباقي لتعطيل القدرات الناشئة، خصوصا في ظل بيئة إقليمية يعاد فيها رسم حدود الاشتباك البحري، وسط تصاعد الضغوط المفروضة على إيران وما رافقها من تهديدات بتوسيع الاضطراب البحري.
وأكد أن ذلك يجعل أي تموضع حوثي قريب من خطوط الملاحة موضع رصد مبكر وتعامل وقائي.
ولا يستبعد المجاهد أن يكون الهجوم مندرجا ضمن نمط منخفض البصمة ودقيق الأهداف؛ بما يمنع تشكيل تهديد بحري من الأساس، لا سيما في نقاط مثل مكيراس التي تختصر المسافة وتغيّر حسابات الكلفة والزمن لأي هجوم محتمل على السفن.
وذكر أن ما يجري قد يبدو أقل درامية من صورة المواجهة المفتوحة، لكنه أكثر خطورة في دلالاته.
وقال إن الأمر لا يتعلق بمعركة كبرى بقدر ما يعكس إدارة صامتة للمخاطر، تحاول فيها الأطراف إبقاء المواجهة تحت السيطرة، دون السماح لأي طرف بتغيير قواعد الاشتباك في البحر؛ ما يجعل الغموض المحيط بهذه الضربات ليس نقصا في الشفافية، بل أداة من أدوات إدارة الصراع في هذه المرحلة.