فرضت تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وصولاً لاتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل، بناء على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مزيدًا من الضبابية حول المشهد الأمني في قطاع غزة خلال الفترة المقبلة، بعد بدء ترتيبات المرحلة الثانية من الاتفاق.
وبعد أن كانت حركة حماس تسيطر على القطاع منذ العام 2007، باتت الحركة بناء على الاتفاق، قوة من 4 قوى عسكرية في القطاع الضيق الذي تسيطر إسرائيل على أكثر من نصف مساحته.
وإلى جانب حركة حماس، تبرز التدخلات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بذرائع مختلفة من بينها إحباط هجمات وشيكة، أو الانتقام لـ"خروقات مفترضة" لاتفاق وقف إطلاق النار، في حين تظهر تحديات جديدة فرضتها التشكيلات المسلحة التي باتت تنشط في مناطق عدة بالقطاع، كما من المنتظر أن تدخل القوة الدولية إلى القطاع ضمن ترتيبات أوسع لإنهاء الحرب.
وتبدي حركة حماس انفتاحًا على تسليم السلطة في قطاع غزة للجنة فلسطينية تم تشكيلها مؤخرًا لإدارة القطاع، كما أعلنت استعدادها لخضوع موظفيها العسكريين لعملية هيكلة واسعة ستبدأ بتنفيذها لجنة إدارة غزة، لكن الحركة لا تشير حتى اللحظة لموقف واضح من مستقبل عشرات آلاف المسلحين من عناصرها.
وترى الكاتبة والمحللة السياسية رهام عودة، أن ملامح الأمن الجديد في قطاع غزة لا تزال غامضة وغير واضحة، إذ يتوقف تشكّل الواقع الأمني المقبل على عدة عوامل أساسية.
وقالت عودة لـ"إرم نيوز" إن "من أبرز هذه العوامل مدى قبول حركة حماس بالدور الأمني للجنة التكنوقراط، وخاصة التنسيق مع اللواء سامي نسمان وتسليم ملف الأمن في القطاع، إضافة إلى قدرة اللجنة على استيعاب القوة الشرطية والأمنية التابعة لحماس وتغطية رواتبها، أو الاكتفاء بالعمل مع الشرطة الفلسطينية التابعة للسلطة الفلسطينية والمدرَّبة في مصر، كما يرتبط هذا الواقع بإمكانية استقدام قوات دولية لحفظ الأمن ودعم لجنة التكنوقراط، وبمدى توقف إسرائيل عن استهداف عناصر الأمن التابعة لحماس".
وأضافت أن "قطاع غزة يمر بمرحلة حرجة تتأرجح بين فوضى أمنية محتملة نتيجة الصراع بين الميليشيات المسلحة وحركة حماس، واحتمالات نزاع على الصلاحيات الأمنية بين حماس ولجنة التكنوقراط والقوات الدولية في حال دخولها القطاع، إلى جانب استمرار التدخل الإسرائيلي عبر عمليات الاغتيال".
وأوضحت أن "هذه التعقيدات تجعل مستقبل الوضع الأمني غير مؤكد، في ظل مرحلة مخاض صعبة قد تفضي إمّا إلى واقع أمني مستقر تقوده لجنة التكنوقراط بدعم دولي، وإمّا إلى سيطرة الميليشيات وإسرائيل، أو إلى استمرار نفوذ حماس بشكل غير مباشر ومن خلف الكواليس".
وقالت إن "الحديث عن بناء مؤسسات أمنية في قطاع غزة لا يزال مبكرًا، في ظل عدم بدء لجنة التكنوقراط عملها الفعلي في الملف الأمني حتى الآن، وإن اللجنة تضع في المرحلة الحالية أولوية للعمل الإغاثي والإنساني".
وأشارت عودة إلى أن بناء النظام الأمني في غزة قد يقع لاحقًا ضمن مهام القوات الدولية التي من المتوقع وصولها إلى القطاع، حيث قد تسعى هذه القوات إلى دمج جزء من عناصر الشرطة الذين عملوا سابقًا مع حكومة حماس، وذلك بعد إخضاعهم لفحص أمني يتعلق بخلفياتهم، إلى جانب دمج عناصر من الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية التي تلقت تدريبها في مصر.
وبحسب عودة، فإن "ملامح النظام الأمني الجديد في قطاع غزة بدأت تتشكل على نحو أوّلي، في إطار ترتيبات سياسية وأمنية معقدة، وأن هذه الملامح تقوم، أولًا، على وجود تنسيق مبدئي بين لجنة التكنوقراط وحركة حماس بشأن الصلاحيات الأمنية والشرطية في القطاع، مع استمرار حماس في أداء دور أمني غير مباشر ومن خلف الكواليس".
وأضافت: "من بين أبرز هذه الملامح دمج قوات الشرطة الفلسطينية التابعة للسلطة الفلسطينية مع عدد من عناصر شرطة حكومة حماس، ممن يتم الموافقة عليهم أمنيًّا من قبل إسرائيل، ضمن إطار شرطة فلسطينية جديدة".
وقالت إن "حركة حماس قد تسعى إلى محاكاة تجربة حزب الله في لبنان، عبر الخروج من حكم غزة مع الاحتفاظ بجناحها العسكري ودورها السياسي، والمشاركة في الانتخابات التشريعية دون تحمل مسؤولية إدارة القطاع".
من جانبه، يرى المحلل السياسي أيمن يوسف أن الطروحات الجديدة التي بات الفلسطينيون يتحدثون عنها اليوم، والقائمة على الانتقال من البندقية إلى العمل العام، أصبحت حاضرة بقوة في الدوائر الأكاديمية والعلمية والميدانية الفلسطينية.
وقال يوسف لـ"إرم نيوز": "الظرف الذي مرّ به قطاع غزة منذ الـ7 من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى الآن يُعد ظرفًا استثنائيًّا بكل المقاييس والمعايير، والحديث عن التحول من العمل المسلح إلى النظام الجديد أو إلى عملية إعادة الإعمار لا يمكن أن يتم بمعزل عن إطار سياسي واضح".
وأضاف أن "خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ربما تناولت هذا البعد بشكل عام، لكنها لم تدخل في التفاصيل أو الآليات العملية الممكنة".
ويعتقد يوسف أن هذا "التحول يتطلب بالأساس توافقًا فلسطينيًّا داخليًّا، وتفاهمًا حقيقيًّا بين الفصائل الفلسطينية، من خلال نقاشات فلسطينية موسعة يتم فيها نقاش هذه القضايا بوضوح وشفافية".
وتابع: "الإطار الأهم في هذه المرحلة هو إيجاد مقاربة سياسية تربط تضحيات الشعب الفلسطيني في غزة بالمشروع الوطني الفلسطيني، وأن الفلسطينيين يقدمون تضحياتهم من أجل استثمارها سياسيًّا".
وأوضح يوسف أن "هناك أولويات خاصة بقطاع غزة، في ظل حجم الدمار الكبير، وكثافة التضحيات، وعمق الألم الإنساني، وهو ما يستدعي معالجات خاصة وشاملة".
وقال: "المرحلة المقبلة قد تشهد ملامح جديدة لِما يمكن تسميته فلسفة الأمن الجديد في قطاع غزة، في ظل التحولات السياسية والأمنية المتوقعة، وأن الملمح الأول يتمثل في احتمال تخلي الفصائل الفلسطينية عن سلاحها في هذه المرحلة، ضمن ترتيبات سياسية وأمنية جديدة قد تُفرض أو يتم التوافق عليها".
وبحسب يوسف، فإن الملمح الثاني، يكمن في وجود تواجد دولي في قطاع غزة، قد يكون جزءًا من المنظومة الأمنية الجديدة، بما يشمل أدوارًا رقابية على الواقع الفلسطيني.
وأشار إلى أن الملمح الثالث يرتبط بإمكانية العودة إلى حرب شاملة في أي وقت، أو على الأقل الاستعداد الدائم لهذا السيناريو، موضحًا أن "الأمن الجديد قد يقوم على التعايش مع واقع استمرار وجود جيش إسرائيل في الميدان، وما قد يترتب على ذلك من سقوط ضحايا، إضافة إلى احتمالات الرد على هذه الانتهاكات".
وختم بالقول إن "هذه الملامح مجتمعة تشكل إطارًا أوليًّا لفلسفة الأمن الجديد في غزة، التي لا تزال قيد التشكل في ظل تعقيدات المشهد السياسي والأمني الراهن".