logo
العالم العربي

من الانسحاب إلى فرض الشروط.. كيف تغير السلوك الأمريكي في العراق؟

محمد شياع السوداني وتوم باراكالمصدر: (أ ف ب)

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد العراقي، عاد الدور الأمريكي إلى الواجهة بصورة أكثر وضوحًا، بعد سنوات من إدارة غير مباشرة للنفوذ.

ويترافق ذلك مع تصاعد الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتغريداته الأخيرة التي تناولت مستقبل السلطة في بغداد، لا سيما موقفه الصريح من عودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى المشهد.

هذا التحول يعد – وفق مختصين - فارقًا جوهريًا بين مقاربتين أمريكيتين تعاقبتا على العراق منذ عام 2003؛ الأولى ارتبطت بإدارة الرئيس السابق باراك أوباما، والثانية تتجسد اليوم مع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأمريكي.

أخبار ذات علاقة

المبعوث الأمريكي إلى العراق توم برّاك

واشنطن تصعد الضغوط.. ماذا يعني تسلم توم باراك الملف العراقي؟

 من الانسحاب إلى إدارة الفراغ

خلال سنوات أوباما، اتجهت السياسة الأمريكية إلى تقليص الحضور العسكري المباشر في العراق، ضمن رؤية أوسع اعتمدت ما عُرف بـ"الصبر الاستراتيجي"، وهذه المقاربة قامت على الانسحاب من ساحات الصراع المباشر، وترك إدارة التوازنات للقوى المحلية والإقليمية، مع التركيز على أدوات ناعمة مثل دعم منظمات المجتمع المدني، وتمويل برامج الحوكمة، وإعادة تشكيل النخب السياسية والإعلامية والثقافية.

وبحسب قراءات سياسية، فإن هذه السياسة أسهمت في ترسيخ نظام المحاصصة، وتعميق الانقسام السياسي والهوياتي، ما أفضى إلى دولة ضعيفة أمنيًا واقتصاديًا، تعتمد بشكل مباشر على الدعم الخارجي.

واليوم، تبدو واشنطن بصدد مقاربة مغايرة، فإلى جانب التصعيد السياسي والإعلامي، برزت مؤشرات عملية على تدخل أمريكي مباشر في ملفات حساسة، من بينها إرسال مبعوثين بمهام محددة، ودخول شركات أمريكية متخصصة لتنظيم عمل المصارف والتحويلات المالية.

ويرى مختصون أن هذا الحضور لا يقتصر على الجانب الاقتصادي، بل يشمل إعادة ضبط قواعد اللعبة السياسية، خصوصًا في مرحلة التحضير لتشكيل الحكومة المقبلة، إذ باتت الرسائل الأمريكية أكثر وضوحًا وحدّة مقارنة بالمراحل السابقة.

سحب التأثير العسكري

في هذا السياق، قال الباحث الاستراتيجي، خطاب القيسي، في حديث لـ"إرم نيوز"، إن "الدور الأمريكي في العراق لا يرتبط بتبدل الأحزاب بقدر ما يرتبط ببرامج اقتصادية بحتة، تتمظهر أحيانًا بنشاطات عسكرية أو أمنية".

وأوضح أن "سياسة أوباما اعتمدت على سحب التأثير العسكري المباشر، مقابل دعم نظام المحاصصة، ما قاد إلى نزاع داخلي سياسي وطائفي"، مشيرًا إلى أن "الحزب الجمهوري، بخلاف ذلك، يتعامل مع المنطقة من منطلق القوة الصلبة، وهو ما يفسر التصعيد الحالي الذي يقوده ترامب لإعادة تموضع واشنطن في الشرق الأوسط، ومواجهة التوغل الصيني والإيراني والروسي".

ولا ينفصل التصعيد الأمريكي الأخير عن سياق إقليمي أوسع، يتمثل بتراجع نسبي في نفوذ طهران، بعد خسارات متراكمة في أكثر من ساحة، ما يجعل العراق إحدى آخر أوراق الضغط المتبقية.

وفي هذا الإطار، يُنظر إلى موقف ترامب من بعض الشخصيات السياسية العراقية باعتباره جزءًا من محاولة إعادة رسم موازين النفوذ، لا مجرد موقف شخصي أو انتخابي.

وتشير معطيات سياسية إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى تشكيل الحكومة العراقية المقبلة بوصفه ملفًا استراتيجيًا، مرتبطًا بإعادة ترتيب النفوذ في المنطقة، وليس شأنًا داخليًا معزولًا.

أخبار ذات علاقة

نوري المالكي

ترامب يهدد بوقف دعم العراق إذا عاد نوري المالكي للسلطة

صراع الإرادات

من جانبه، يرى الأكاديمي والباحث السياسي، خالد العرداوي، أن "الاختلاف بين سياسات أوباما وترامب في العراق نابع من اختلاف رؤيتهما لمصالح الولايات المتحدة في العالم".

وأوضح العرداوي، في حديث لـ"إرم نيوز"، أن "أوباما كان يعتقد أن شعوب الشرق الأوسط يجب أن تتحمل مسؤولية مصيرها، وأن التدخل الأمريكي المباشر كان خطأً في مرحلة الرئيس السابق جورج بوش، لذلك اتجه إلى الانسحاب وتسليم الملف للقوى الإقليمية".

وأضاف أن "ترامب عاد باستراتيجية تقوم على استعادة المبادرة وفرض المصالح الأمريكية بالقوة، وهو لا يتخلى عن العراق، بل مستعد لفرض حماية مصالح بلاده فيه، خصوصًا في ظل الصراع المتصاعد مع إيران".

ويجد العراق نفسه عالقًا بين صراع إرادات إقليمية ودولية، في وقت لا يمتلك فيه أدوات التأثير الكافية في مسار هذا الصراع، فبينما تحاول واشنطن فرض شروطها عبر الضغط السياسي والاقتصادي، تسعى قوى أخرى إلى الحفاظ على نفوذها داخل الساحة العراقية، ما يجعل البلاد ساحة مفتوحة لأنشطة الآخرين. 

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC