دخل مشروع موازنة لبنان للعام 2026 إلى مجلس النواب بعد أن حُسمت داخل الحكومة خياراته الأساسية، وفي مقدّمها استبعاد أي زيادات شاملة على رواتب القطاع العام، وعدم فتح اعتمادات لمشاريع استثمارية جديدة، والإبقاء على الإنفاق ضمن حدود الإيرادات المتوقعة خلال سنة واحدة.
ويكشف مصدر سياسي لبناني لـ"إرم نيوز" عن أن صياغة موازنة العام الجديد انبثقت من خلال قرار سياسي اتُّخذ داخل الحكومة قبل إحالتها إلى مجلس النواب. القرار قضى بحصر الموازنة ضمن ما يمكن تمويله فعليًّا من الإيرادات المتوقعة خلال سنة واحدة، من دون إدخال أي التزام يفرض كلفة مستمرة على الخزينة.
ويقول المصدر، إن هذا التوجّه أُبلغ بوضوح إلى الوزارات أثناء إعداد مشاريعها، مع طلب صريح بتقليص الطلبات الجديدة، وتأجيل أي بنود تحتاج إلى تمويل إضافي أو إلى قرارات إدارية واسعة. هذه التعليمات انعكست مباشرة في بنية الموازنة، وفي حذف أو تخفيض اعتمادات كانت مطروحة في مسودات أولية.
وقد أُحيل مشروع موازنة 2026 إلى مجلس النواب بعد اجتماعات متتالية عقدتها الحكومة مع وزارة المال خلال شهري ديسمبر/كانون الأول وبداية يناير/كانون الثاني، ركزت على مراجعة تقديرات الإيرادات والنفقات في ضوء بيانات الجباية خلال 2025. وزارة المال كانت قد طلبت من الوزارات إعادة خفض طلباتها بعد الجولة الأولى من النقاش، وفق ما أكده أكثر من مسؤول حكومي في تصريحات متفرقة، مشيرين إلى ضرورة الالتزام بسقف الإنفاق المحدد لتفادي توسع العجز.
بحسب المصدر ذاته، فقد جرى خلال الصياغة استبعاد 3 ملفات أساسية من النقاش المالي المباشر، التي تمثلت بزيادة رواتب القطاع العام على نطاق واسع، وإعادة هيكلة الإدارة العامة، وتمويل مشاريع استثمارية جديدة. هذه الملفات طُرحت في النقاشات التحضيرية، ثم أُخرجت تباعًا من الصيغة النهائية، بسبب أن التقدير داخل الحكومة كان يقضي بأن إدخال أي من هذه الملفات سيقود إلى التزامات لا يمكن ضبطها خلال العام الجاري، في ظل مستوى الإيرادات الحالي، وطبيعة الإدارة، وتوازنات المجلس النيابي، لذا فقد بُنيت الموازنة على قاعدة تمرير السنة بأقل قدر من الالتزامات القابلة للتراكم.
فيما كان ملف رواتب القطاع العام محور تحركات مطلبية تزامنت مع مناقشات الموازنة، حيث نفذ موظفون ومتقاعدون وقفات احتجاجية قرب مجلس النواب. وطالب عدد من النواب بزيادات فورية تعكس تراجع القدرة الشرائية، فيما ردت الحكومة، عبر تصريحات رسمية، بأن أي معالجة شاملة تحتاج إلى موارد ثابتة وإعادة تنظيم للقطاع العام، وهو ما لم يُنجز بعد.
وتشير تقديرات وزارة المال المتداولة خلال مناقشات الموازنة إلى أن كتلة رواتب وأجور القطاع العام، بما يشمل العسكريين والمتقاعدين، تتجاوز حاليًا ما يعادل 3 إلى 3.5 مليارات دولار سنويًا وفق سعر الصرف المعتمد في الموازنة، بعد الزيادات الجزئية التي أُقرت خلال العامين الماضيين.
مصادر مالية رسمية تشير إلى أن أي زيادة شاملة إضافية، ولو بنسبة محدودة، ستضيف مئات ملايين الدولارات إلى الإنفاق السنوي، من دون وجود موارد ثابتة لتغطيتها، في ظل هيكل إداري غير مُعاد تنظيمه.
كذلك أظهرت بنود الموازنة استمرار تجميد التوظيف في معظم الإدارات، باستثناء حالات محددة مرتبطة بضرورات تشغيلية، حيث ينسجم هذا التوجه مع قرارات سابقة لمجلس الوزراء قضت بضبط كتلة الأجور، وبالاعتماد على إعادة توزيع الموارد البشرية داخل الإدارات. في حين أشارت تقارير رقابية خلال السنوات الماضية إلى تضخم الجهاز الإداري واختلال توزيع الموظفين بين الإدارات.
وفي ملف الرواتب، يؤكد المصدر السياسي لـ"إرم نيوز" أن الحكومة ناقشت سيناريوهات متعددة قبل إحالة الموازنة، بينها زيادات مرحلية أو بدلات إضافية، إلا أن هذه السيناريوهات استُبعدت بعد تقدير أثرها المالي، وتأثيرها على مطالب قطاعات أخرى داخل الإدارة.
النتيجة كانت إدراج تحسينات محدودة، مع الإبقاء على الملف مفتوحًا خارج إطار الموازنة. فالحكومة وفق المصدر، ترى أن معالجة الرواتب تحتاج إلى مقاربة متكاملة تشمل حجم القطاع العام وآليات الإنفاق، وهو مسار لم تتوافر شروطه السياسية والإدارية خلال إعداد الموازنة.
تقديرات العجز في مشروع موازنة 2026 تدور ضمن نطاق ضيق نسبياً مقارنة بسنوات سابقة، مع سعي وزارة المال إلى إبقائه عند مستويات قابلة للتمويل من السوق المحلية ومن السيولة المتاحة. فالعجز المقدر وفق أرقام أولية، يبقى دون مستويات ما قبل 2019 كنسبة من الناتج، إلا أن هذا التراجع يعود أساسًا إلى ضغط الإنفاق.
وفي ملف الكهرباء، أبقت الموازنة الاعتمادات ضمن مستوى يتيح استمرار الإنتاج والتوزيع وفق الآليات الحالية، كما لم تُدرج اعتمادات لمشاريع توسعة كبيرة أو لاستثمارات طويلة الأمد. المصدر يربط ذلك بعدم حسم ملفات تنظيمية وتمويلية أساسية، وبغياب قرار سياسي يسمح بتحميل الخزينة أعباء إضافية في هذا القطاع خلال العام الحالي.
بينما تعكس الموازنة اعتماد الدولة على مواردها الداخلية خلال السنة المقبلة، حيث لا تتضمن الأرقام أي افتراضات بتمويل خارجي إضافي. المصدر يشير إلى أن الحكومة فضّلت عدم ربط الموازنة بمسارات تفاوض غير محسومة، حفاظًا على قابلية التنفيذ.
كما تأتي موازنة 2026 في ظل غياب أي اتفاق مالي نافذ مع الجهات الدولية، واستمرار الاتصالات التقنية من دون نتائج نهائية. مصادر رسمية أكدت أن الحكومة تتابع التواصل مع مؤسسات دولية، لكنها لم تربط مشروع الموازنة بأي التزامات خارجية محددة، تفادياً لتعطيل التنفيذ في حال تأخر هذه المسارات.
في حين ترافقت مناقشات الموازنة مع أجواء اجتماعية مشحونة، مع تسجيل تحركات مطلبية لموظفي القطاع العام، ومع ارتفاع كلفة المعيشة. تقارير اقتصادية محلية ودولية حذرت خلال الأشهر الماضية من تراجع القدرة الشرائية، ومن اتساع الفجوة بين الأجور والأسعار، ما يضع أي نقاش مالي تحت ضغط اجتماعي دائم.
فيما تشير بيانات رسمية ونقابية إلى أن متوسط رواتب القطاع العام لا يزال يغطي نسبة محدودة من كلفة المعيشة الفعلية، بعد احتساب التضخم المتراكم منذ 2019. تقديرات اقتصادية محلية تشير إلى أن الأجور الحالية تغطي في أحسن الأحوال 20 إلى 30% من سلة الإنفاق الأساسية، ما يفسر استمرار الضغط الاجتماعي حول هذا الملف.