الجيش السوري يعلن السيطرة على مطار الطبقة العسكري بشكل كامل.
في خضم تصاعد الخلافات داخل الإطار التنسيقي حول هوية مرشح رئاسة وزراء العراق، تعود المرجعية الدينية العليا في النجف إلى واجهة المشهد السياسي، باعتبارها الجهة التي تمكنت في محطات سابقة من حسم خلافات مفصلية داخل النظام السياسي العراقي.
وخلافاً لما جرى في محطات سابقة، تؤكد المعطيات الراهنة أن المرجعية اختارت الوقوف خارج لعبة الترشيحات، مكتفية بالمراقبة، في وقت تحاول فيه قوى سياسية توظيف اسمها كعامل ترجيح في صراع داخلي متصاعد.
ويستحضر المشهد السياسي تجربة عام 2014، حين لعبت المرجعية الدينية دوراً حاسماً في رفض تمرير ولاية ثالثة لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، في مرحلة كانت البلاد تواجه فيها تهديداً وجودياً تمثل باجتياح تنظيم داعش، وانهيار المنظومة الأمنية، وتآكل ثقة الشارع بالسلطة.
وأبلغ نجل المرجع الديني الأعلى علي السيستاني، محمد رضا، قادة الإطار التنسيقي مؤخراً، عبر وسيط مقرب، برفض المرجعية إبداء أي موقف بشأن أسماء المرشحين لمنصب رئاسة الوزراء، مؤكداً تمسكها بموقفها السابق بعدم التدخل في الشأن السياسي التنفيذي.
ووفق رسالة نقلها الأكاديمي والبرلماني السابق عبد الهادي الحكيم، فإن المرجعية عبرت عن استغرابها من تكرار محاولات بعض القوى السياسية إعادة طرح الملف عليها، رغم وضوح موقفها المعلن.
وفي هذا السياق، قال رجل دين مقرب من أجواء النجف لـ"إرم نيوز" إن "المرجعية الدينية باتت على قناعة بأن أغلب القوى السياسية لم تلتزم بتوصياتها السابقة، سواء ما يتعلق بالإصلاح أو مكافحة الفساد أو بناء الدولة".
وأضاف أن "النجف ترى أن الأزمات الحالية هي خلافات بين شركاء في العملية السياسية، وليست تهديدات تمس كيان الدولة، وبالتالي لا يوجد مبرر ديني أو شرعي للتدخل"، مشيراً إلى أن "المرجعية لا تريد أن تكون جزءاً من صراع على المناصب، ولا غطاء لإخفاقات سياسية متراكمة".
وأكد رجل الدين الذي طلب حجب اسمه أن "محاولات بعض الأطراف إظهار أن المرجعية قد تعود للتدخل تشبه إلى حد كبير محاولات كسب شرعية مفقودة، أكثر من كونها استجابة لرؤية دينية حقيقية".
ولطالما نادت مرجعية النجف الدينية بضرورة الشروع بإصلاحات حقيقية وشاملة، ومكافحة الفساد المالي والإداري، وبناء مؤسسات دولة فاعلة تقوم على مبدأ الكفاءة والنزاهة، إلى جانب التأكيد المستمر على تحقيق السيادة الوطنية، ورفض الارتهان للقرار الخارجي، والدعوة إلى أن تكون إرادة العراقيين هي المرجع الأساس في إدارة شؤون الدولة، بعيداً عن الضغوط والتجاذبات الإقليمية والدولية.
كما طالبت في أكثر من محطة بحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء مظاهر التسلح خارج الأطر الرسمية، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لبناء دولة مستقرة وقادرة على فرض القانون، غير أن هذه الدعوات لم تلق استجابة فعلية من قبل الميليشيات المسلحة، ولا من القوى السياسية التي توفر لها الغطاء السياسي والبرلماني، ما أسهم في إبقاء هذا الملف مفتوحاً.
ومنذ سنوات يرفض السيستاني استقبال أي من السياسيين العراقيين، سواء كانوا أعضاء في مجالس المحافظات، أو النواب أو ممثلين عن الحكومات المتعاقبة أو قادة كتل وأحزاب سياسية، في موقف عد رسالة واضحة بعدم الرضا عن أداء الطبقة الحاكمة، باستثناء استقباله زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.
ويبدي تيار الحكمة الوطني برئاسة عمار الحكيم، الذي يمتلك (18 مقعداً)، إلى جانب حركة عصائب أهل الحق التي حصلت على (28 مقعداً)، تحفظاً واضحاً على تمرير نوري المالكي لرئاسة الوزراء، مفضلين التوجه نحو اختيار شخصية ذات خلفية اقتصادية قادرة على إدارة المرحلة المقبلة، في ظل التحديات المالية والضغوط الاقتصادية التي تواجه البلاد، وبما ينسجم مع متطلبات الاستقرار الداخلي والعلاقة مع الشركاء الآخرين.
وأثار تداول اسم المالكي مجدداً مخاوف داخل الأوساط السنية، التي تنظر إلى عودته بوصفها إعادة إنتاج لمرحلة سياسية مثقلة بالأزمات والانقسامات، فيما تتحدث قوى أخرى عن أن الإطار لم يحسم خياره فعلياً، رغم التصريحات المتناقضة لقياداته.
بدوره، قال الباحث في الشأن السياسي كاظم ياور لـ"إرم نيوز" إن "الإطار التنسيقي يعيش حالة ارتباك غير مسبوقة في إدارة ملف رئاسة الوزراء، بعد تضخم عدد المرشحين وغياب معايير واضحة للحسم، ما كشف عمق الخلافات البنيوية داخل التحالف".
وأضاف أن "تفاعل العوامل الإقليمية والدولية، ولا سيما الحراك الأميركي في بغداد والمنطقة، أسهم في زيادة الضغوط على قوى الإطار، في وقت يواجه فيه التحالف تراجعاً في قدرته على المناورة السياسية، مقارنة بالدورات السابقة".
وأوضح ياور أن "الإطار دخل المرحلة الحالية وهو يعاني ضعفاً واضحاً في تماسكه الداخلي، بعد غياب التيار الصدري وتراجع الدعم الإقليمي التقليدي، الأمر الذي انعكس على حضوره السياسي وعلى علاقته ببقية الشركاء في المشهد، سواء في البيت السني أو الكردي"، مؤكداً أن "محاولات البحث عن مخارج خارج الإطار تكشف حجم الأزمة أكثر مما تقدم حلولاً فعلية لها".
وينذر هذا المسار بتفكك الإطار التنسيقي بصورة متكاملة، في ظل اتساع فجوة الخلافات بين مكوناته، وتراجع القدرة على ضبط التباينات الداخلية، ما يفتح الباب أمام إعادة تموضع بعض أطرافه خارج الصيغة الحالية، أو الذهاب نحو تحالفات جزئية تفرضها الحسابات الانتخابية والضغوط السياسية المتصاعدة، بعيداً عن الإطار الجامع.