وول ستريت جورنال: إدارة ترامب تخطط لإعلان تحالف لمرافقة السفن عبر مضيق هرمز
وجدت بغداد نفسها مرة أخرى في قلب عاصفة إقليمية تتجاوز حدودها، مع تصاعد الحرب الدائرة في المنطقة وتزايد الهجمات التي انطلقت من الأراضي العراقية أو استهدفت منشآت داخل البلاد، الأمر الذي أعاد طرح سؤال جوهري عمن يمتلك فعلياً قرار السلم والحرب في العراق.
وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية تؤكد مراراً تمسكها بسياسة الحياد وعدم الانخراط في المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إلا أن سلسلة الهجمات التي نفذتها ميليشيات مسلحة داخل البلاد وضعت هذا الموقف الرسمي أمام اختبار صعب، ودفعت العراق إلى واجهة الصراع الإقليمي من جديد.
وخلال الأيام الماضية، تعرضت مواقع متعددة داخل العراق لهجمات بطائرات مسيرة وصواريخ، شملت مطارات ومنشآت نفطية ومقار عسكرية ومواقع في إقليم كردستان، فيما تشير تقديرات أمنية إلى أن عدد هذه الهجمات تجاوز نحو 300 هجوم، في تطور يؤشر اتساع نطاق العمليات وتنوع الأهداف داخل البلاد.
من جانبه قال الخبير الأمني كمال الطائي إن "إعلان الحياد من قبل الحكومة العراقية لا يكفي وحده إذا لم يقترن بقدرة فعلية على ضبط السلاح خارج إطار الدولة".
وأضاف الطائي لـ"إرم نيوز" أن "الحكومة تجد صعوبة في تطبيق سياسة الحياد في ظل وجود ميليشيات مسلحة تمتلك قراراً مستقلاً وتتحرك وفق حسابات إقليمية، ما يجعل العراق عملياً جزءاً من معادلة الصراع حتى لو أعلن رسمياً أنه خارجها".
ويرى مراقبون أن المعضلة الأساسية لا تكمن في إعلان الحياد بقدر ما تتعلق بقدرة الدولة على فرضه، إذ إن استمرار الهجمات من داخل الأراضي العراقية يضع بغداد أمام تساؤلات متزايدة بشأن دور الأجهزة الأمنية وآلية التعامل مع الجماعات المسلحة التي تنفذ هذه العمليات.
وتبنت ميليشيات مسلحة عدداً من هذه الهجمات، التي استهدف بعضها مواقع مرتبطة بالتحالف الدولي أو شركات نفطية أجنبية، في وقت قدمت فيه الكويت معلومات لبغداد تفيد بأن بعض الهجمات انطلقت من الأراضي العراقية باتجاهها، ما زاد من الضغوط الدبلوماسية والأمنية على الحكومة العراقية.
في المقابل، تؤكد الحكومة العراقية في بياناتها الرسمية أنها ليست جزءاً من الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وأنها ماضية في الحفاظ على مسار الحياد.
وفي هذا السياق، أكد مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي خلال اجتماع مع سفراء دول الاتحاد الأوروبي في بغداد أن العراق يرفض أي اعتداء على البعثات الدبلوماسية، مشيراً إلى أن "القائد العام للقوات المسلحة وجه بمتابعة كل من يتورط في استهداف السفارات أو البعثات الدبلوماسية واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه".
وشدد الأعرجي على أن "العراق لم يكن طرفاً في الحرب الجارية في المنطقة، وأن الحكومة تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق البلاد إلى الصراع الإقليمي، في وقت عبر فيه سفراء الاتحاد الأوروبي عن أملهم بعدم جر العراق إلى المواجهة الحالية".
لكن هذا الموقف الرسمي يواجه – وفق مختصين - تحديات معقدة على الأرض، خصوصاً مع استمرار نشاط الميليشيات المسلحة التي تنفذ هجمات داخل العراق أو انطلاقاً منه، ما يضع الحكومة في موقف بين محاولة فرض سيادتها وتجنب انفجار سياسي أو أمني داخلي.
بدوره قال الباحث في الشؤون السياسية أحمد الخضر إن "العراق يواجه معادلة شديدة التعقيد تتعلق بقرار السلم والحرب، إذ ينص الدستور على أن هذا القرار بيد الحكومة العراقية وبإشراف المؤسسات الدستورية، إلا أن الواقع السياسي والأمني يجعل هذا القرار متداخلاً مع توازنات القوى السياسية والنفوذ الإقليمي داخل البلاد".
وأضاف الخضر لـ"إرم نيوز" أن "الحكومة العراقية تجد نفسها أمام ضغوط متعارضة، فهي من جهة تحاول الحفاظ على سيادة البلاد ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة صراع، ومن جهة أخرى تواجه تأثير القوى السياسية المرتبطة بمحاور إقليمية، فضلاً عن وجود فصائل مسلحة تمتلك حضوراً ميدانياً مؤثراً".
وأشار إلى أن "هذه المعادلة تدفع بغداد إلى تبني سياسة التهدئة والنأي بالعراق عن الانخراط المباشر في الحرب، إدراكاً لحساسية موقعه الجغرافي وتجارب سابقة أثبتت أن أي انزلاق إلى الصراع الإقليمي قد يكلّف البلاد ثمناً باهظاً على المستويين الأمني والاقتصادي".
وبرغم تكرار هذه الهجمات واتساع رقعتها الجغرافية داخل العراق وخارجه، لم تعلن الحكومة العراقية حتى الآن عن إجراءات ردعية واضحة تجاه الجهات المتورطة بها، مثل اعتقال المنفذين أو تفكيك الشبكات التي تقف وراء هذه العمليات.
وحتى مع تبني بعض الميليشيات المسلحة لهذه الهجمات بشكل علني، لم يصدر عن السلطات العراقية إعلان رسمي عن فتح ملفات قضائية أو تنفيذ عمليات اعتقال بحق المسؤولين عنها، أو إدراجها على لائحة الإرهاب، الأمر الذي يثير تساؤلات داخل الأوساط السياسية والأمنية حول قدرة الدولة على التعامل مع هذا النوع من التحديات.