ما زالت هواجس التهجير تسيطر على عقول الغزيين بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة حماس وإسرائيل بناء على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمؤلفة من 20 بندًا، لا تتضمن آليات واضحة ومعلنة وجداول زمنية.
وتذكي الآليات الغامضة للتنفيذ ومخاوف المماطلة الإسرائيلية في تطبيق الاتفاق، نيران سيناريوهات كارثية يخشاها الفلسطينيون ولا يجدون أنفسهم قادرين على وقفها بعد أن دمرت الحرب كل عوامل الصمود والبقاء.
يرى المحلل السياسي فريد ضهير، أن المشهد في قطاع غزة لا يزال غامضًا، ولم يتم تنفيذ أي خطوات جوهرية سوى وقف إطلاق النار، الذي ما زال يُخترق بين الحين والآخر، وأن لجنة التكنوقراط المكلفة بإدارة غزة لم تدخل القطاع حتى الآن.
وقال ضهير لـ"إرم نيوز" إن "الصورة المستقبلية لا تزال غير واضحة، ولا يستطيع أحد التكهّن بما سيحدث لاحقاً، وأن إعادة الإعمار تتطلب جهدًا كبيرًا واستعدادات، وأن إسرائيل تربطها بالجانب الأمني".
وحول مسألة خلوّ غزة الجديدة من السلاح، قال إنه "لا يوجد حتى الآن تصور واضح لكيفية تنفيذ ذلك، أو ما إذا كانت هناك قوة دولية ستتولى الإشراف عليه، خصوصًا بعد اعتذار معظم الدول التي عُرض عليها المشروع عن المشاركة، ما يجعل المشهد ضبابيًا".
وتابع أن "قضية التهجير مرتبطة بعدة عوامل، منها الوضع الإنساني ورغبة الناس، ومدى شعورهم باليأس"، مستبعدًا أن تتمكن إسرائيل من إخراج سكان غزة بعد أن صمدوا في ظروف قاسية فرضتها الحرب.
وأكد أن "تحويل القضية الفلسطينية إلى صفقة اقتصادية يمثل حلم إدارة ترامب ومجموعته، التي ترى أن القضية انتهت سياسيًا وحُسمت عسكريًا، ويجب أن تتحول إلى مشروع اقتصادي"، لكنه يشير إلى أن تحقيق هذا الحلم غير مضمون، خصوصًا في ظل وجود خلافات كبيرة حتى داخل مجلس السلام نفسه، وقد لا يستمر.
من جانبه، يرى المحلل السياسي هاني العقاد أن المؤشرات الحالية توحي بأن غزة لم تعد تُدار باعتبارها أرضًا لأهلها، وأن الأبواب قد تُفتح أمام الغزيين للهجرة لمن يرغب إلى حين إعادة إعمار القطاع وبنائه وفق ترتيبات جديدة.
وقال العقاد لـ"إرم نيوز" إن "مشروع ما يُسمى بغزة الجديدة لا يظهر حتى الآن أي مكان حقيقي للفلسطينيين، إذ يقوم في جوهره على نزع الأراضي والملكيات، وبحسب طرح هذا المشروع، ستُنتزع ملكية أراضي الغزيين بالكامل، مع فرض سيطرة على المناطق الساحلية، ما سيؤدي إلى تغيير ديمغرافي واسع وعميق وأن أي عائلة فلسطينية في غزة لن تمتلك سوى شقة واحدة فقط، قد تُمنح مقابل الأرض التي جرى نزعها منها".
وأضاف أن "الحرب على غزة أنهت عمليًا مفهوم حق تقرير المصير، ووضعت القضية الفلسطينية أمام مرحلة شديدة الخطورة".
وبحسب العقاد، "أصبحت غزة خارج الجغرافيا السياسية الفلسطينية، وسيُتعامل مع مستقبلها على هذا الأساس، في حين ستلتحق الضفة الغربية بمشروع مشابه، يقوم على تغيير ديمغرافي وجغرافي يخدم نظام الكانتونات."
وأشار إلى أن "غزة ستكون كانتونًا ضمن هذه الكانتونات، من دون أي توحيد جغرافي مع الضفة الغربية، ما يعني وجود كيانين منفصلين وحكومتين شبه مستقلتين، إحداهما تتبع مجلس السلام والأخرى تتبع السلطة الوطنية الفلسطينية، التي تسعى إسرائيل، إلى إضعافها أو إنهاء دورها في الضفة الغربية".
وفيما يتعلق بملف السلاح كذريعة لإخلاء السكان، يعتقد العقاد أن هناك صفقة تعمل الولايات المتحدة على بلورتها مع حركة حماس، تقضي بالاعتراف بها كحزب سياسي مقابل عفو عام عن قادتها السياسيين والعسكريين، وتسليم السلاح إلى دولة ثالثة، وهو ما يجري التفاوض عليه على أعلى المستويات.
وقال إن "مسألة نزع السلاح ستُحسم في نهاية المطاف، إلا أن مشروع غزة الجديدة يتجاوز هذا الملف بكثير"، موضحاً أن الولايات المتحدة ليست معنية بالسلاح بقدر اهتمامها بالسيطرة على غزة واستثمارها اقتصاديًا، وتحويلها إلى منطقة استراتيجية على البحر المتوسط، تشمل ممرات ربط، واستخراج الغاز، ومشاريع سياحية واستثمارية كبرى.
ويختم بالقول إنه "منذ وقف إطلاق النار، ومنذ الإعلان عن الخطة وتشكيل مجلس السلام، تتعامل الولايات المتحدة مع غزة بوصفها صفقة اقتصادية بالدرجة الأولى، وليس كقضية سياسية".