أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، نشر المسودة الأولية من دستور دولة فلسطين، على أن يتم خلال شهرين النقاش بشأن أية قضايا خلافية بشأنها، وسط حالة انقسام فلسطيني متواصلة منذ نحو عشرين عامًا، دون أفق لانتهائها قريبًا.
ويتزامن نشر مسودة الدستور الفلسطيني مع إعلان مرتقب عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، تعهد عباس بإجرائها في الأراضي الفلسطينية بعد عام من انتهاء الحرب في غزة، وبالتزامن كذلك مع مطالبات دولية بإصلاحات واسعة لمؤسسات السلطة الفلسطينية.
وتتمثل معضلة الانقسام الفلسطيني بشكل رئيس بين أكبر فصيلين فلسطينيين، حركتي فتح وحماس، حول جملة من القضايا أبرزها منظمة التحرير الفلسطينية التي تضم غالبية الفصائل الفلسطينية، باستثناء حركتي حماس والجهاد الإسلامي، اللتين ترفضان برنامجها السياسي واعتبارها ممثلاً وحيدًا للشعب الفلسطيني.
ويرى المحلل السياسي نبهان خريشة، أن هناك انقسامًا واضحًا فيما يتعلق بالحالة الفلسطينية التي تعاني فراغًا دستوريًا طويل الأمد، وهذه المسودة التي يتصورها فلسطينيون تعود إلى الواجهة بوصفها مبادرة، لكنها تحمل وعودًا كبرى وأسئلة أشد تعقيدًا.
وقال خريشة، لـ"إرم نيوز": "من جهة أولى تُقدَّم المسودة باعتبارها خطوة تأسيسية لبناء الدولة وترميم النظام السياسي، لكن من جهة ثانية تبرز مخاطر حقيقية بأن تتحول إلى ساحة صراع جديدة تُضاف إلى سجل الخلافات القائمة بدل أن تكون جسرًا لمحاولة تجاوزها".
وأضاف أن "الدساتير لا تكتب في الغرف المغلقة، بل عبر عمليات تأسيسية شفافة وتشاركية، غير أن ما يجري اليوم، بحسب قراءته، يفتقر إلى الإعلان الواضح عن آليات الصياغة، أو المرجعيات الفكرية والسياسية، أو حتى مصير المسودة بعد إنجازها".
وأوضح المحلل السياسي أن هذا المسار يتقاطع مع ضغوط دولية متزايدة تحت عناوين "الإصلاح" و"الحوكمة"، مشيرًا إلى أنه رغم مشروعية الإصلاح كمطلب شعبي، إلا أن توظيف الدستور كاستجابة لشروط المانحين يثير مخاوف من أن يعكس النص أولويات الخارج أكثر من تطلعات الداخل.
وحذر خريشة من أن "دستورًا يصاغ لإدارة الأزمة لا لحلها، قد يتحول إلى أداة ضبط سياسي لا تمكين ديمقراطي دستور يرضي الممولين، لكنه لا يعالج جذور الخلل في بنية النظام السياسي، ولا يؤسس لمساءلة حقيقية أو تداول فعلي للسلطة".
وحول ما إذا كانت المسودة الدستورية توسع الانقسام أم أنها ستشكل فرصة للحوار بين الفلسطينيين، أكد خريشة أن "الانقسام الفلسطيني القائم منذ أكثر من عقد ونصف أفرغ المؤسسات من مضمونها وحوّل الشرعيات إلى منظور خلاف لا إلى إطار جامع".
وفي هذا السياق، قال خريشة إنه قد تشكّل المسودة فرصة نادرة لإطلاق حوار عميق حول شكل النظام الفلسطيني وطبيعة النقل بين السلطات، وأهم من ذلك تعريف المشروع الوطني الفلسطيني نفسه.
وحذر خريشة من أن الخطر يكمن في أن تُطرح المسودة كأمر واقع أو كمبادرة فوقية، مضيفًا: "في هذه الحالة ستتحول من أداة حوار إلى أداة استقطاب، ومن نص جامع للشعب الفلسطيني إلى وثيقة خلافية تُقرأ بعيون سياسية لا بعيون دستورية".
وختم خريشة بالقول إن "أي مسودة لا تمر عبر مؤسسة منتخبة أو توافق وطني عريض ستظل عرضة للطعن مهما بلغت جودة نصوصها القانونية"، مشددًا على أن ربط المسودة بمسار سياسي يعيد الاعتبار للتمثيل البرلماني أو يبتكر آليات توافقية وطنية يبقى شرطًا أساسيًا لتحصينها من فقدان الشرعية.
ويرى المحلل السياسي عوني المشنى، أن الدستور في كل دول العالم يُصاغ بتوافق وطني بين القوى السياسية والمجتمعية، ثم يُقدَّم للشعب للاستفتاء عليه، متسائلًا عمّا إذا كانت صياغة الدستور في الواقع الفلسطيني قد تمت على هذه القاعدة.
ويقول المشنى، لـ"إرم نيوز": "هذا الدستور يجب أن يُعرض على استفتاء شعبي، في ظل غياب البرلمان وغياب جهة دستورية يمكنها المصادقة عليه في الوضع القائم، وأن الاستفتاء الشعبي هو الطريق الوحيد لمنحه شرعية حقيقية، بحيث يصبح جزءًا من سياق توافق وطني مُقرّ من الشعب نفسه، لا من مؤسسة معطّلة أو غائبة".
وأضاف أن "الدستور يحتاج إلى توافق وطني عبر مسارين أساسيين، الأول تشكيل لجنة دستورية لصياغته تكون محل توافق بين القوى السياسية، وهو ما لم يتحقق حتى اللحظة، والثاني عرضه على استفتاء شعبي لا على البرلمان، لأن الشعب هو من يقرر الدستور وليس البرلمان، خاصة في ظل غياب السياق الطبيعي الذي يسمح بعرضه على مؤسسة تشريعية فاعلة".
وحذر المشنى من أن بقاء الأمور على هذا النحو سيحوّل الدستور إلى ساحة تجاذب بين القوى السياسية بدل أن يكون إطارًا للتوافق.
وقال المشنى إنه "لا يعتقد أن السياق الذي طُرحت فيه المسودة يجعلها أداة حقيقية لتغيير الواقع السياسي الفلسطيني أو لتقريب القوى من المصالحة، وإن كان لا يستبعد نظريًا أن يساعد الدستور الشعب الفلسطيني على الاحتكام إلى آليات ديمقراطية وقانونية إذا جرت انتخابات لكن النقاشات الجارية لا تقود فعليًا إلى هذا المسار".
وأشار إلى الفراغ الدستوري والقانوني الذي يعانيه النظام السياسي الفلسطيني، مضيفًا: "لا توجد جهة فلسطينية مخوّلة اليوم لمناقشة الدستور وتعديله بالمعنى الصحيح، وفتح المسودة للملاحظات الفردية ليس هو الأسلوب السليم، لأن الملاحظات الحقيقية تُقدَّم داخل لجنة صياغة تجمع القوى السياسية، حيث تُناقَش الصياغات المختلفة وتُبنى التوافقات والمقاربات الوطنية، لا عبر ملاحظات متفرقة".
وختم المشنى بالقول إن غياب برنامج سياسي فلسطيني متفق عليه يحدد المسار السياسي وأدوات النضال من أجل الاستقلال يبقي الأزمة قائمة، ويجعل الشعب الفلسطيني هو من يدفع ثمنها، في ظل غياب تمثيل سياسي حقيقي يعبر عنه.