صعد البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، درجات بازيليكا القديس أوغسطين في عنابة، تلك المدينة الجزائرية الساحلية التي كانت قديماً تُسمى "هيبون"، ووقف فيها واحد من أعظم عقول التاريخ الإنساني أسقفاً حتى وفاته.
البابا الذي قدّم نفسه للعالم في أول خطاب له من شرفة كنيسة القديس بطرس قائلاً "أنا ابن القديس أوغسطين"، جاء اليوم إلى الأرض التي أنجبت هذا الأب الروحي، لكنه جاء أيضاً بخطاب سياسي روحي موجّه لعالم تتآكل تعدديته ويتصاعد فيه صخب الحروب.
بحسب صحيفة "لاكروا" الفرنسية، فإن أوريليوس أوغسطينوس، المولود عام 354 في ثاغاستي، مدينة سوق أهراس الجزائرية اليوم، على بُعد مئة كيلومتر من عنابة، لأب وثني وأم مسيحية، هو في أعماقه أفريقي الجذور أمازيغي الهوية.
عاش وعلّم في ميلانو عاصمة الإمبراطورية الرومانية، وعاد إلى أفريقيا ليقضي خمسة وثلاثين عاماً أسقفاً في هيبون حتى مات عام 430 وهي تحت حصار الوندال.
وفي تلك السنوات كتب "الاعترافات" و"مدينة الله" و"عن الثالوث"، وأسّس للكاثوليكية عقيدتها، وهيّأ للتفكير الغربي أساساته.
يقول المؤرخ الإيطالي جيوفاني ماريا فيان، المدير السابق لأوسرفاتوري رومانو: "أوغسطين صاغ القرون الوسطى ولوثر والجانسينية."
وفي مقاربة أكثر جذرية، يؤكد المؤرخ الجزائري عبدالناصر سمايل في كتابه الجديد "أوغسطين الهيبوني: أفريقي شامل": "ما يُدهش اليوم هو أن هذه الأصول الشمال أفريقية للحداثة الروحية لا تزال مُقلَّلة من شأنها. نحكي تاريخ الفلسفة كتسلسل خطي: أثينا، روما، باريس، برلين. لكننا ننسى ملتقى محورياً: قرطاجة وثاغاستي وهيبون. أوغسطين يخترع الإنسان الداخلي."
لم يُذكر اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطاب ليون الرابع عشر، لكن مجلة لوبوان الفرنسية تؤكد أن الرسالة واضحة لمن يريد فهمها.
في يناير كانون الثاني الماضي، في خطابه أمام السفراء المعتمدين لدى الفاتيكان، استلّ البابا من "مدينة الله" أداةً لتشريح واقعنا الراهن: "مدينة الله لا تُقدّم برنامجاً سياسياً، لكنها تعكس تأملات ثمينة حول التعايش الأكثر عدلاً وسلاماً بين الشعوب. أوغسطين يُحذّر من المخاطر الجسيمة للحياة السياسية المنبثقة من تمثيلات زائفة للتاريخ، ومن القومية المفرطة، ومن تشويه المثل الأعلى لرجل الدولة."
وأضاف البابا ما يبدو مرآة للعصر الحالي: "كما في ذلك الوقت، نعيش حقبة تحركات هجرة عميقة. كما في ذلك الوقت، نعيش إعادة تنظيم عميقة للتوازنات الجيوسياسية والنماذج الثقافية. كما في ذلك الوقت، لسنا في حقبة تغيير، بل في تغيير الحقبة."
وأضافت الفيلسوفة الفرنسية شانتال دلسول، في كتابها "المأساة المهاجرة وانهيار الإمبراطوريات: القديس أوغسطين ونحن": "أوغسطين ينتقد الإفراط أياً كان. إن تحليله لاستيلاء الإمبراطورية على الأراضي يتسم بالحسم. لا يعترض فحسب على هذه الرغبة المفرطة في استملاك أراضي الآخرين وثقافاتهم، بل يُظهر التناقض الذي ينطوي عليه موقف إمبراطور مسيحي يستعمر."
وتقول لاكروا إن علاقة الجزائر بأوغسطين لم تكن دائماً مريحة، فبعد الاستقلال، وصمه الخطاب القومي بأنه أداة رومانية إمبريالية، وجرى تصوير الدوناتيين، خصومه العقديين، بوصفهم ثوارا من البربر ضد الهيمنة.
يقول سمايل: "اختزال الدوناتية في انتفاضة عرقية أو اجتماعية بربرية ضد روما هو قراءة أيديولوجية حديثة أكثر منها تحليلاً تاريخياً رصيناً."
ولم تبدأ إعادة الاعتبار الرسمية إلا في مطلع الألفية الثالثة، حين نظّم الرئيس الجزائري الراحل عبدالعزيز بوتفليقة العام 2001 أول ملتقى جزائري رسمي حول أوغسطين، مُسمياً إياه "الفيلسوف الجزائري القديس أوغسطين."
ومن المفارقات التاريخية اللافتة أن الأب روبرت فرانسيس بريفوست، الذي سيُصبح لاحقاً ليون الرابع عشر، كان ضيفاً في ذلك الملتقى بصفته رئيساً عاماً لرهبنة الأوغسطينيين.
اليوم، أعلنت الجزائر عزمها إيداع ملف "المسارات الأوغسطينية" لدى اليونسكو، ويضم مواقع أثرية على طول 1500 كيلومتر، وافتتح متحف الموقع الأثري لهيبون مركزاً حديثاً مخصصاً للقديس، وبدأت وكالات سياحية جزائرية فرنسية مشتركة في تسويق رحلات على "أرض أوغسطين".