يدخل لبنان اليوم مرحلة تفاوضية دقيقة تحت ضغط حرب أنهكت الجنوب ودفعت الدولة إلى اختبار قدرتها الفعلية على استعادة قرارها الأمني من شبكة السلاح المرتبط بإيران.
وجاء تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع بعد اجتماع في البيت الأبيض ليمنح بيروت وقتًا سياسيًا محدودًا، مع بقاء الأرض الجنوبية مفتوحة على ضربات إسرائيلية واعتراضات صادرة عن حزب الله الذي يحاول منع الدولة من تحويل التفاوض إلى مسار سيادي فعلي.
وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد الهدنة بعد اجتماع لبناني إسرائيلي في واشنطن، وتحدث عن احتمال جمع قيادتي البلدين خلال الأسابيع المقبلة، فيما أشارت "رويترز" إلى استمرار الاشتباكات والضربات في الجنوب بالتزامن مع التمديد.
يدخل لبنان التفاوض عبر مطالب محددة تتصل بالانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الضربات وعودة السكان ونشر الجيش وفتح مسار إعادة الإعمار.
ووضع الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام هذه المطالب ضمن سقف تفاوضي واضح، فيما نقلت تقارير أمريكية أن لبنان طلب من واشنطن توسيع التفاهم ليشمل الانسحاب ووقف العمليات والانتقال إلى ترتيبات حدودية أوسع.
وتقرأ واشنطن المسار اللبناني من زاوية الضغط على إيران أيضًا. وقد نقلت "رويترز" عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوله إن على طهران خفض دعمها المالي لحزب الله، ما يضع تمويل الحزب داخل ملف التهدئة.
ويمنح هذا الربط بيروت فرصة لتثبيت مطلبها بصيغة لبنانية واضحة، إذ يحتاج وقف النار إلى انسحاب إسرائيلي، وانتشار فعلي للجيش، وتقليص قدرة السلاح المرتبط بإيران على تعطيل أي تفاهم حدودي.
تتحرك بيروت داخل هامش ضيق تصنعه واشنطن وتضغط عليه إسرائيل وتراقبه طهران عبر حزب الله، غير أن هذا الهامش يمنح الدولة فرصة سياسية إذا تعاملت معه كأداة لخدمة مطالب لبنانية محددة.
يحتاج لبنان إلى تحويل الضغط الدولي إلى دعم مباشر للجيش والمؤسسات وإلى غطاء واضح للانسحاب الإسرائيلي وعودة السكان وإعادة الإعمار، مع إبقاء الملف داخل لغة المصلحة الوطنية اللبنانية، حتى لا يتحول التفاوض إلى مسار تصوغه إسرائيل وحدها أو إلى مواجهة خطابية يستثمرها حزب الله لتثبيت سلاحه.
ويعتمد نجاح بيروت على قدرتها في الإمساك بترتيب الأولويات من موقع الدولة، فالانسحاب الإسرائيلي يفتح الطريق أمام انتشار الجيش، وانتشار الجيش يحد من وظيفة السلاح الحزبي، وحصر الأمن بالمؤسسة العسكرية يمنح إعادة الإعمار معنى عمليًا أمام السكان والداعمين الدوليين.
بهذه الطريقة تستطيع الحكومة أن تستخدم ضغط واشنطن على إيران من دون أن تمنح إسرائيل حق تحديد سقف السيادة اللبنانية، وأن تضع حزب الله أمام مسار داخلي واضح عنوانه أن قرار الحرب يعود إلى المؤسسات لا إلى شبكة النفوذ الإيراني.
تتعامل إسرائيل مع التفاوض من زاوية أمن الشمال ومنع عودة حزب الله إلى النقاط القريبة من الحدود. وقد ربط وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أي تقدم بتجريد الحزب من سلاحه.
ويركز لبنان الرسمي على الانسحاب الكامل ووقف الهجمات ووقف هدم المنازل ونشر الجيش، فيما تستخدم تل أبيب استمرار السلاح الحزبي لتوسيع ضغطها العسكري. وتسعى بيروت إلى تحويل الانسحاب وانتشار الجيش إلى مدخل لاستعادة القرار الحدودي من حزب الله وإيران.
ويتحول انتشار الجيش اللبناني في الجنوب إلى المعيار العملي لجدية أي تفاهم حدودي، فالاتفاق الذي لا يترجم حضورًا أمنيًا رسميًا سيترك الهدنة تحت ضغط السلاح الحزبي وما يمنحه لإسرائيل من ذريعة أمنية مستمرة.
بذلك يحتاج لبنان إلى دعم دولي مباشر للمؤسسة العسكرية، وقرار سياسي واضح يمنحها غطاء كاملًا، وخطة انتشار تربط الأمن بعودة السكان وإعادة الإعمار، بما يجعل الجيش الجهة الوحيدة المسؤولة عن ضبط الحدود ومنع عودة حزب الله إلى النقاط الحساسة.
في المحصلة، يرتبط نجاح هذا المسار بقدرة الحكومة على تحويل التهدئة إلى خطوات متتابعة تبدأ بوقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي، وتنتقل إلى انتشار الجيش وتثبيت التمويل الدولي وإطلاق الإعمار.
كل تقدم في هذا الاتجاه يقلص قدرة حزب الله على تعطيل القرار اللبناني، ويضع نفوذ إيران أمام كلفة سياسية داخلية أوضح، خصوصًا في الجنوب الذي يحتاج إلى أمن مستقر وعودة دائمة للسكان وخروج فعلي من دورة الحرب والتهجير.