الجيش الإسرائيلي: قواتنا تهاجم منصات أطلق منها حزب الله صواريخ باتجاه شمال إسرائيل
حين تولى نعيم قاسم قيادة ميليشيا حزب الله في أكتوبر/تشرين الأول 2024، خلفاً لـ حسن نصر الله، لم يكن التحدي مجرد ملء منصب شاغر، بل سدّ فراغ كاريزمي وتنظيمي خلّفه رجل تحوّل إلى ظاهرة سياسية وعسكرية.
لكن منذ اللحظة الأولى، بدا واضحًا أن المقارنة غير متكافئة. فالتقارير الإعلامية والبحثية أشارت إلى أن قاسم يفتقر إلى كاريزما نصر الله وحضوره الشعبي، وهو ما أكدته تحليلات صادرة عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، التي رأت أن ما حدث لم يكن مجرد انتقال إداري، بل فقدان لرمز شكّل جزءًا من هوية الحزب.
مِن قائد مشروع إلى إدارة أزمة
في قراءة لبنانية أكثر صراحة، يذهب المحلل السياسي اللبناني طوني خوري إلى أن "خطابات قاسم تكشف عجزاً سياسياً وافتقاراً إلى الحنكة التي ميّزت حسن نصر الله"، وأنه "يبدو عاجزاً عن المحافظة على الإرث الذي بناه نصر الله".
ويعزز المفكر اللبناني رضوان السيد هذه الصورة حين يصف نصر الله بأنه "ظاهرة، وليس مجرد قيادة حزبية"، وهو توصيف يسقط تلقائياً أي خليفة له إلى مرتبة أدنى، حيث لا يعود الحديث عن امتداد، بل عن انقطاع.
قيادة في زمن الانكماش
لم يصل قاسم إلى حزب في حالة صعود، بل إلى تنظيم يواجه واحدة من أصعب مراحله. فقد نقلت رويترز عن مراجعات داخلية بدأت بعد تسلم قاسم لقيادة الحزب، شملت إعادة تقييم الدور العسكري وحجم الترسانة، في ظل خسائر واسعة في القيادات والبنية القتالية.
كما تشير تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن الضغوط العسكرية والمالية، إلى جانب تراجع الدعم الإيراني، تجعل إعادة بناء القدرات أمراً معقداً، فيما ترى مؤسسة الشرق الأوسط أن الحزب فقد هامش المناورة الذي كان يتمتع به.
في هذا السياق، لم يعد قاسم يقود مشروع توسع، بل يدير مرحلة انكماش واضحة، وهو ما انعكس مباشرة على خطابه، الذي تراجع من "النصر" إلى "الصمود"، ثم إلى "التعافي".
رغم ذلك، واصل قاسم التأكيد أن "حزب الله لا يزال قوياً" وأن "الكلمة للميدان"، في محاولة للحفاظ على تماسك القاعدة. لكن هذه الرواية اصطدمت، وفق تحليلات مؤسسة كارنيغي، بواقع ميداني قاسٍ، من خلال الدمار الواسع في الجنوب، والنزوح الجماعي، والتراجع الواضح في القدرة على الردع.
اغتيال بلا وزن رمزي؟
في هذا السياق، تكتسب التهديدات الإسرائيلية باغتيال قاسم معنى مختلفاً. فبحسب معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن استهدافه قد يحقق مكسباً عسكرياً، لكنه لا يوازي القيمة الرمزية التي حملها اغتيال نصر الله.
السبب بسيط وفق التقرير، فقاسم لم يتحول إلى رمز جامع، بل بقي شخصية تنظيمية محدودة التأثير، وهو ما يفسر النظرة داخل بيئة الحزب نفسها، التي ترى أن غيابه لن يشكل ضربة معنوية حاسمة. بل إن هذه القراءة ذهبت أبعد من ذلك، مع مقولة متداولة في أوساط لبنانية قريبة من الحزب تفيد بأن: "اغتيال نعيم قاسم لا يحقق نصراً لإسرائيل، بل إن بقاءه قد يخدمها أكثر".
أزمة قيادة أم أزمة بنية؟
هنا تتبلور المفارقة الأكثر حساسية. فبينما يشكّل اغتيال القادة عادة أداة لكسر الخصم، تبدو حالة قاسم مختلفة. فبقاءه في موقعه، وفق قراءة مقربين من الحزب، قد يخدم إسرائيل بشكل غير مباشر، لأنه يكرّس واقع حزب يعيش حالة انكماش مستمرة، ويعجز عن استعادة المبادرة.
رغم ذلك، لا تُختصر أزمة حزب الله اليوم في شخص أمينه العام، بل تعكس تحوّلاً أعمق في موقعه داخل لبنان والمنطقة. فالحزب الذي كان يقود المشهد، بات في موقع الدفاع، سياسياً وعسكرياً وشعبياً، في ظل قيادة أقل كاريزما، وخسائر ميدانية كبيرة، وتراجع في النفوذ، وبيئة حاضنة منهكة.
وفي ضوء هذه المعطيات، لا تبدو مسألة اغتيال نعيم قاسم مجرد قرار عسكري، بل خياراً استراتيجياً معقداً. فاغتياله قد يضعف الحزب، لكن بقاءه قد يُبقيه ضعيفاً لوقت أطول.