أكد خبراء ومراقبون أن عودة الحكومة اليمنية إلى عدن، دون أي مقاربات سياسية وأمنية تعالج أسباب الاحتقان، أو تفاهمات صلبة مع القوى الجنوبية الفاعلة، يفتح الباب أمام موجة جديدة من التوترات والصدامات، قد تعصف بما تبقى من الاستقرار في محافظات الجنوب المحررة من الحوثيين.
ووسط مشهد جنوبي مثقل بالاحتقان والغضب الشعبي، تبرز عودة الحكومة اليمنية الجديدة إلى العاصمة المؤقتة عدن كاختبار مصيري لحضورها الميداني، ومدى قدرتها على تحويل المدينة من ساحة للتجاذبات السياسية إلى مركز فعلي لإدارة الدولة واستعادة الحدّ الأدنى من الثقة العامة.
ويأتي هذا التحدّي في ظل موجة احتجاجات متصاعدة تشهدها معظم المحافظات الجنوبية منذ أسابيع، تعبيرًا عن رفض شعبي واسع لما يُوصف بـ"سياسات الإقصاء والتهميش" التي بات ينتهجها رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، تجاه القضية الجنوبية وممثلها السياسي، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي.
وعقب مخاض سياسي شاق، أدى رئيس وأغلب أعضاء الحكومة الجديدة، أمس الاثنين، اليمين الدستورية أمام العليمي من خارج البلاد، في خطوة أثارت تساؤلات عديدة حول فرص عودتها إلى الداخل، مع استمرار أسباب السخط الشعبي، وغياب أي تفاهمات سياسية واضحة مع القوى الجنوبية الفاعلة والمؤثرة في الرأي العام الجنوبي.
وبالتوازي مع هذه التحركات، ثمّة غضب شعبي لدى القاعدة الاجتماعية الجنوبية على خلفية التطورات السياسية والأمنية المتسارعة مؤخرًا، تفاقمت حدّته بعد حملات اعتقالات وقمع طالت متظاهرين سلميين في مناطق وادي حضرموت، نفذتها قوات عسكرية وأمنية "مستحدثة".
وأعلن المحتجون الجنوبيون رفضهم القاطع لما أسموها بـ"محاولات الالتفاف" على مطالبهم السياسية، وتجريد القضية الجنوبية من مكتسباتها السياسية والأمنية، مؤكدين تمسّكهم بالتفويض الشعبي لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه ممثلاً سياسياً لقضيتهم في المحافل المحلية والإقليمية والدولية.
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي ورئيس تحرير موقع "مراقبون برس"، ماجد الداعري، أن توجيهات رشاد العليمي بعودة الحكومة إلى عدن "تفتقر إلى الحدّ الأدنى من المنطق السياسي والعملي"، في ظل استمرار بقاء مجلس القيادة الرئاسي خارج البلاد، على الرغم من أن السياق الدستوري يقتضي أداء الوزراء لليمين الدستوري من الداخل.
وأوضح الداعري، في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن العليمي نفسه غير قادر على العودة إلى أرض الوطن في ظل الأوضاع الراهنة في الجنوب، وما تشهده محافظات عدن وحضرموت والمهرة وشبوة ولحج وسقطرى من حراك جماهيري واسع يرفض ما يصفه بـ"محاولات القفز على إرادة الشارع الجنوبي ومطالبه باستعادة دولته".
وعلى الصعيد العملي، لفت الداعري إلى أن الحكومة تواجه تحديات معقدة ومتداخلة، تبدأ من تطبيع الأوضاع الأمنية وملف دمج وتوحيد القوات العسكرية والأمنية، وصولًا إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، وفي مقدمتها تحسين الخدمات الأساسية وصرف الرواتب وتنمية الموارد وتفعيل مؤسسات الدولة، إلى جانب وقف العبث والفساد السياسي والإداري.
وبيّن أن معالجة هذه الملفات "أمر مستحيل" في ظل التشكيلة الحكومية الحالية، التي قال إنها قائمة على المحاصصة السياسية، وطغى عليها حزب التجمع اليمني للإصلاح (إخوان مسلمون) بشكل واضح، "وهو حزب غير مقبول شعبياً في الجنوب، ما يجعل عودة الحكومة الكاملة إلى عدن محفوفة بإشكالات أمنية، وربما بمواجهات أو تصعيد شعبي واسع".
ولم يستبعد الداعري أن تشهد المرحلة المقبلة عودة جزئية لبعض الوزراء المحسوبين على الجنوب، بفعل توفر حاضنة شعبية لهم، غير أن ذلك – وفق تقديره – لن يرقى إلى عودة حكومية مكتملة، ما لم يعد المجلس الرئاسي ويحدث تغييرات حقيقية في الملفات الأمنية والخدمية، ضمن مقاربة متوازنة تستوعب خصوصية الجنوب وقضيته ومزاج شارعه المحتقن.
ولا تقف إشكالية عودة الحكومة عند حدود الترتيبات الإدارية أو الحسابات الأمنية، بل تتجاوزها إلى أزمة ثقة عميقة تشكّلت بفعل التراكمات السياسية والأحداث الميدانية المتلاحقة، التي فرضت معادلات جديدة على واقع العلاقة بين الأطراف المحلية.
ويرى المحلل السياسي، صلاح السقلدي، في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن تداعيات الأحداث الدراماتيكية الأخيرة المرتبطة بسيطرة وانتشار القوات الجنوبية في محافظتي حضرموت والمهرة، تركت أثرًا بالغًا على المزاج العام الجنوبي، وأسهمت في تعميق فجوة الثقة بين قواه ونظيرتها المنتمية إلى الشمال.
وحذّر من التعامل القمعي ضد الاحتجاجات والتظاهرات في مختلف مناطق الجنوب، "لأن هذه الحلول الأمنية لا تؤدي سوى إلى تعميق أزمة الثقة، التي تعاني أصلاً من تآكل شديد، كما تُسهم في مفاقمة غضب الشارع، ومضاعفة الصراعات والاصطفافات الحادّة، ما قد يعقّد مهمة الحكومة بشكل أكبر، ويقوّض قدرتها على العمل في بيئة مستقرة".