"يعاتبني على ديني رجالُ.. أنا الأنثى بلا دينٍ تراهُ".. "أنا المخلوقُ والخلاق ربّي.. وما عبدتْ مناجاتي سواهُ".
بهذين البيتين بدأت نهلا شعبان، وهي امرأة من القرداحة، تبيع بسكويتاً وليموناً على طرف طريق ريفي في اللاذقية، حديثها العفوي الذي تحوّل إلى مقطع لامس كثيرين.
لم يكن الشعر هنا مجرد مفاجأة، بل نافذة على مدينة كاملة تحاول أن تُعرّف نفسها خارج الصور الجاهزة. كلماتها، التي تمزج بين الإيمان الشخصي والحرية الداخلية، بدت أقرب إلى صوت القرداحة اليوم؛ مدينة تبحث عن ذاتها بعد زمن طويل من التنميط و"الوصمة" والاختزال السياسي.
بين الواقع و"المُتخيّل"
تقع القرداحة في ريف اللاذقية الشرقي، ويقدَّر عدد سكانها مع بلداتها المحيطة بنحو 75 ألف نسمة. تمتاز بطبيعة جبلية خضراء ومناخ معتدل وإطلالات تمتد نحو الساحل، وهي مقومات جعلت منها، نظرياً، موقعاً سياحياً واعداً. لكن الصورة الأمنية التي رافقتها لسنوات طويلة، وارتباط اسمها بعائلة الأسد، حوّلاها إلى مساحة شبه معزولة عن المشهد السياحي والاقتصادي.
خلال العقود الماضية، تشكّلت صورة عامة ترى في القرداحة مدينة مرفهة ومحظيّة، بينما يشير كثير من سكانها إلى واقع مختلف؛ إذ عاشت شرائح واسعة منهم ظروفاً معيشية صعبة، واعتمدوا على الزراعة أو الأعمال اليدوية محدودة الدخل. في ظل محدودية الفرص، اتجه عدد كبير من الشباب إلى الخدمة العسكرية بوصفها خياراً شبه وحيد لتأمين دخل ثابت.
حتى الأنشطة البسيطة، مثل قطف ورق الغار أو جمع الأعشاب البرية أو التفحيم، كانت - بحسب روايات محلية - تخضع لنفوذ شخصيات مرتبطة بالعائلة الحاكمة؛ ما حدّ من قدرة الناس على العمل بحرية. هذا التناقض بين الصورة الخارجية والواقع الداخلي صنع فجوة كبيرة بين ما يُقال عن المدينة وما يعيشه سكانها فعلاً.
عائلات تقليدية وتاريخ أوسع من السياسة
قبل أن تتحول القرداحة إلى رمز سياسي، عُرفت بتركيبة اجتماعية تضم عائلات تقليدية مثل الخيّر وخيربك وغيرها، لعبت أدواراً اجتماعية واقتصادية محلية. ومع صعود آل الأسد، تراجع حضور هذه العائلات تدريجياً، سواء بفعل إعادة توزيع النفوذ أو نتيجة تضييق المجال العام.
ومن هذه البيئة خرجت أيضاً شخصيات بارزة، بينها القيادي في حزب العمل الشيوعي عبد العزيز الخير؛ ما يعكس تنوعاً داخل المدينة غالباً ما غاب عن الصورة النمطية التي اختزلتها في ولاء واحد.
بين الانكشاف والضغوط الجديدة
مع انهيار النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، تغيّرت رمزية القرداحة بسرعة. أزيلت رموز السلطة القديمة، ودخل السكان أماكن كانت مغلقة أمامهم لسنوات. لكن هذه التحولات لم تُنهِ التحديات، بل فتحت فصلاً جديداً من الضغوط اليومية. وتشير شهادات محلية إلى أن المدينة شهدت في الفترة الأخيرة عمليات أمنية مختلفة، في سياق البحث عن مطلوبين أو عناصر مرتبطة بالمنظومة السابقة.
في المقابل، غادرت شخصيات نافذة من آل الأسد ومحيطهم المدينة مع بداية التحولات، تاركةً خلفها مجتمعاً يواجه تبعات مرحلة جديدة بلا موارد كافية. كثير من السكان يقولون إنهم وجدوا أنفسهم بين صورتين متناقضتين: إرث قديم لم يختاروه، ووصمة جديدة تصنفهم كـ"فلول"، رغم أن بعضهم كانوا من أشد المنتقدين لهيمنة العائلة وشبكاتها المحلية.
اقتصادياً، فقدت عائلات كثيرة مصادر دخل مرتبطة بوظائف أو شبكات عمل سابقة، بينما لم تظهر بدائل واضحة حتى الآن. ومع غياب مشاريع تنموية أو سياحية تستفيد من طبيعة المنطقة، بقيت الحياة تسير ببطء وثقل، كما لو أن المدينة خرجت من ظل سلطة لتدخل في مرحلة انتقالية طويلة.
في هذا السياق، تبدو قصة نهلا التي تبيع البسكويت وتكتب الشعر رمزاً لحال القرداحة اليوم؛ مدينة تتأرجح بين تاريخ يثقلها ونظرة لم تتبدل بالكامل، فيما يحاول سكانها إعادة بناء حياتهم بعيداً عن صورة لم يصنعها معظمهم.
وبين طبيعة آسرة كان يمكن أن تجعلها إحدى أبرز الوجهات السياحية في سوريا والمنطقة، وإرث سياسي جعل اسمها مرادفاً للخوف، تمضي القرداحة في رحلة بطيئة نحو تعريف جديد لذاتها، رحلة ما زالت في بدايتها فقط.