أعاد نجاح قبائل محافظة الجوف شمال شرقي اليمن، في إجبار الحوثيين على الإفراج عن الشيخ القبلي حمد بن راشد بن فدغم الحزمي، عبر احتشاد واسع فيما يُعرف محليًا بـ"النكف القبلي"، تسليط الضوء مجددًا على الوزن الحقيقي للقبيلة اليمنية، ومدى قدرتها على لعب دور أكبر في مواجهة الميليشيا داخل مناطق سيطرتها.
وشكّل تراجع الحوثيين عن موقفهم السابق، وإطلاق سراح الحزمي بعد أيام فقط من احتجازه، مؤشرًا لافتًا على استمرار تأثير البُنية القبلية في المعادلة العسكرية اليمنية، رغم سنوات الحرب ومحاولات الجماعة إعادة تشكيل مراكز النفوذ الاجتماعي والقبلي في المحافظات الخاضعة لها.
يقول شيخ قبلي من أبناء الجوف، إن ما جرى في المحافظة من زخم قبلي نتج عنه "رضوخ الحوثيين"، يكشف أن القبائل لا تزال تمتلك أدوات ضغط فعّالة، متى ما توحدت حول قضية جامعة، خصوصًا في المحافظات ذات الامتداد القبلي الكبير مثل (الجوف وعمران ومأرب وأجزاء من صنعاء).
وأكد الشيخ القبلي، الذي فضّل عدم الإفصاح عن اسمه لما يترتب على ذلك من تبعات لا يريد استدعاءها في الوقت الراهن، بأن نجاح "النكف القبلي" الأخير، جاء نتيجة تماسك الموقف ووحدة المطالب، إلى جانب رفض أي تسويات جزئية قبل الإفراج عن الحزمي.
واعتبر في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن القبائل حين تتماسك، تستطيع فرض مطالبها، وتسجيل حضور ميداني أوسع، وإن وصل إلى حدّ خوض مواجهة مسلحة ضد الحوثيين، لافتًا إلى أن "ما حدث في الجوف لا يقتصر على قضية الإفراج عن شيخ قبلي".
وأضاف: "بل يحمل في طيّاته رسالة أوسع مفادها أن النفوذ الحوثي داخل بعض المناطق ليس مُطلقًا، وأن المجتمع المحلي أو القبلي يبقى قادرًا على فرض معادلات جديدة متى ما توفرت الإرادة والتنظيم".
وأبرزت تطورات الجوف، إمكانية استثمار القوات المسلحة للزخم القبلي، وتحويله إلى مكاسب عسكرية على الأرض، أو توسيعه ليصبح عامل ضغط يُهدّد نفوذ الحوثيين في مناطق سيطرتهم.
وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم المنطقة العسكرية السادسة العقيد ربيع القرشي، إن تحويل الزخم القبلي في الجوف إلى مكسب عسكري "أمر يُمكن تحقيقه، لكنه ليس تلقائيًا ولا يعتمد على الحماس وحده".
وأوضح القرشي، لـ"إرم نيوز"، أن "القبيلة تُمثّل قوة بشرية ومعنوية كبيرة، غير أنها تحتاج إلى تنظيم وتسليح نوعي وغرفة عمليات موحدة، تربط هذا الحراك بالقيادة العسكرية"، مُشدّدًا على أن "الغطاء السياسي الواضح يظلّ ضروريًا، لتجنّب تشتّت الجهود أو استغلالها بشكل غير منظم".
وأفاد بأن غياب هذه المرتكزات سيجعل أي زخم قبلي "محدود التأثير وموسمي النتائج"، دون القدرة على تحقيق اختراقات حقيقية في الميدان.
وأشار القرشي، إلى أن "التحديات أمام أي تحرّك قبلي واسع، متعدّدة، يأتي في مقدمتها التفوق النسبي للحوثيين في السيطرة الأمنية داخل مناطقهم، واعتمادهم على شبكات للرصد والاختراق، فضلًا عن صعوبة التنسيق بين القبائل في ظلّ غياب قيادة موحّدة".
ولفت إلى أن "أي تحرّك واسع قد يتعرض للاستنزاف إذا لم يكن مدعومًا لوجستيًا من حيث الإمداد والاتصال والإسناد الناري"، مؤكدًا أن "تحقيق نتائج حاسمة بشكل مستقل، سيظل أمرًا بالغ الصعوبة دون وجود غطاء رسمي ودعم عسكري مُنظم ومُكثّف".
وعن موقع وموقف القوات المُسلحة من كل ذلك، قال المتحدث العسكري إن "المشكلة لا تكمن في غياب الفرص، بل في ضُعف استثمارها"، مُبينًا أن "هناك إدراكًا نظريًا لأهمية الانتفاضات القبلية، لكن الاستجابة العملية لا تزال دون المستوى المطلوب".
وأكد العقيد ربيع القرشي، أن "عدم دمج هذه التحركات ضمن خطة عسكرية شاملة، تتضمن فتح جبهات متزامنة وتوفير دعم حقيقي، سيجعلها تحركات معزولة، تُرهق القبائل أكثر مما تُغيّر موازين القوى".
وأضاف: "يُمكن للقبيلة أن تكون عاملًا حاسمًا، لكن عندما تتحول من رد فعل إلى جزء من استراتيجية دولة واضحة ومتكاملة".
ولفت القرشي، إلى أن القوات المُسلحة في المنطقة العسكرية السادسة، -والتي تأتي محافظة الجوف ضمن نطاق تحركها الميداني- "ليست في موقع ضعف لتنتظر انتفاضة من هنا وهناك"، كاشفًا عن أن "خطط التحرير جاهزة، وأن أي تحرّك قادم سيكون وفق رؤية عسكرية شاملة وأوامر سيادية عُليا".
واختتم حديثه، مؤكدًا "نحن من يرسم مسار المعركة ويملك زمام المبادرة، وليكن الحراك القبلي وقتها جزءًا من زحف الدولة الكبير وليس بديلًا عنه".