تتفاقم أزمة المفقودين في قطاع غزة مع اضطرار الجهات المختصة بغزة لدفن مئات الجثامين مجهولة الهوية، وعدم سماح إسرائيل بإدخال أجهزة فحص النووي DNA ما يحول القضية مع مرور الوقت إلى أزمة إنسانية واجتماعية مستعصية.
وتحول عامل الوقت مع وجود آلاف الضحايا تحت أنقاض منازلهم التي قصفها الجيش الإسرائيلي خلال عامي الحرب، إلى عامل ضاغط تتلاشى معه الآمال وتتضاءل الفرص بإمكانية تحديد هويات المفقودين.
وفي صباح 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، انقطع الاتصال بعبد الله رمزي القصاص عند الساعة الـ10:00، بعد خروجه من منزله لزيارة أصدقائه في منطقة حي الزيتون شرق مدينة غزة، ومنذ ذلك الوقت، لم يعد.
لا تزال زوجته، كوكب صيام، تقف على بوابة الانتظار بعد أكثر من عامين، على أمل العثور على أي معلومة حوله، وتقول لـ"إرم نيوز": "لا أعلم إن كان زوجي في الأرض أم في السماء، أعيش حالة من التيه والحيرة، أحيانًا أتمنى لو يخبرني أحد أنه حتى معتقل".
وأضافت: "عندما أرى الرفات تصل إلى المستشفيات، ينهشني الحنين لأجد ما يطمئن قلبي، أذهب في كل مرة محاوِلة التعرّف على شيء، على أي أثر يدل أنه قُتل، فقط لأرتاح، ولكن أعود في كل مرة بخيبة جديدة".
وتشير إلى أن أزمة تدمير المختبرات الطبية عمّقت مأساة غياب الإجابة حول مصير زوجها، بعدما أصبح من المستحيل إجراء فحوصات مخبرية للتعرف على الرفات.
ويرى مدير عام الطب الشرعي في غزة أحمد ضهير، أن أزمة التعرف على الجثث تتفاقم بسبب نقص أجهزة فحص الحمض النووي DNA وغياب الإمكانيات اللازمة، ما يجعل العديد من الحالات تحت الأنقاض يصعب الوصول إليها.
وقال لـ"إرم نيوز": إن "قوة التدمير الكبيرة للأسلحة المستخدمة تؤدي إلى تفكك وتحلل الأجساد، بالإضافة إلى تعرضها للنهش من قبل الحيوانات الضالة، مما يزيد من تعقيد عملية التعرف على الضحايا، خاصة في المناطق الحمراء والصفراء التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، والتي يصعب وصول طواقم الإسعاف والإنقاذ إليها بأمان".
وأضاف: "بالنسبة للشهداء، نواجه تحديات كبيرة، فهناك حالات تصل إلى الطب الشرعي وهي في حالة متحللة، وهذا يجعل من الصعب استخدام الطرق التقليدية للتعرف عليهم، إذ نحتاج إلى بعض الأدلة الطبية والبيانات التي قد تكون ناقصة أو غير واضحة كثير من الحالات لا تمتلك علامات مميزة تساعد في التعرف عليها، وخاصة في ظل ظروف الحرب والتدمير، مما يزيد من صعوبة تحديد هوية الشهداء".
وتابع: "نفتقر للكثير من المعدات اللازمة للتعرف على الرفات، مما يعمّق أزمة التعرف على الضحايا، خاصة بعد مقتل عدد كبير من أطباء الأنسجة، الذين كان لهم دور حيوي في عمليات التشخيص والتحليل، وهذا الفقد زاد من تعقيد الوضع وأثر بشكل مباشر على قدرة الفرق الطبية في التعرف على الجثث".
وختم بالقول إن "كل الرفات التي وصلت تم حفظها وفق المدة القانونية ثم دُفنت في مقابر مغطاة بأكواد خاصة، تحسبًا لدخول أجهزة الحمض النووي التي قد تُمكّن من التعرف عليها قبل أن تتحلل ويضيع الأمل لدى الأهالي في معرفة مصير أبنائهم".
من جانبه، قال المتحدث باسم الأدلة الجنائية في غزة، محمود عاشور، إن "الطواقم الفنية في قطاع غزة تواصل أداء واجبها الوطني والإنساني في مرافقة عمليات انتشال الجثامين، وتوثيقها، ونقلها، ودفنها بما يحفظ كرامتهم الإنسانية".
وأضاف في بيان له: "نطالب بإرسال فرق فنية متخصصة تساند فرقنا الميدانية، وندعو إلى ممارسة ضغط دولي جاد على إسرائيل للسماح الفوري بإدخال المعدات الفنية والتقنية اللازمة، وعلى رأسها مختبرات فحص الحمض النووي (DNA)".
وأشار إلى أن ذلك سيساعد في الكشف عن هويات مئات الضحايا الذين ما زالوا مجهولي الهوية، مشيرًا إلى أن "حرمان قطاع غزة من هذه الإمكانيات إهانة لكرامة الضحايا ومعاناة متواصلة لعائلاتهم".