كشفت مصادر من داخل الإطار التنسيقي لـ"إرم نيوز" أن اجتماع قادة الإطار الذي عُقد الاثنين لم يُصمَّم لإعلان قرار نهائي بقدر ما جاء كجلسة "تثبيت اتجاه"، تحضيراً لاجتماع لاحق يوصف داخل الكواليس بأنه اجتماع "الحسم الحقيقي" في ملف رئاسة الحكومة المقبلة.
وتقول المصادر إن الإطار تعمّد ترك الباب موارباً أمام إعلان الإجماع على اسم نوري المالكي، مع تمرير خيط موازٍ أكثر أهمية، وهو فتح بازار الحقائب الوزارية مبكراً بوصفه أداة لشراء التفاهمات قبل أي خطوة دستورية علنية.
محطة تمهيدية بدلا من "الصدام"
وفقاً للمعلومات المتقاطعة، دخلت قيادات الإطار النقاش بقاعدة واضحة؛ على أساس أن اسم رئيس الوزراء لا يُطرح منفرداً هذه المرة، بل ضمن "سلة" تضم شكل الحكومة وتوازناتها ومفاتيح القرار الأمني والسياسي. بعض أطراف الإطار أرادت اختبار المزاج أولاً قبل تثبيت المالكي، فيما حاول فريقه تحويل الاجتماع إلى محطة تمهيدية تُنهي الاعتراضات تدريجياً بدلاً من صدام مباشر قد يُحرج الإطار أمام الشارع وحلفائه.
وفي خضم هذا المسار، ظهر تسريب جديد يتعامل معه الإطار كجزء من صفقة داخلية أوسع: ائتلاف "الإعمار والتنمية" الذي يقوده رئيس الوزراء في حكومة تصريف الأعمال محمد شياع السوداني سيحصل على الحصة الأكبر من الوزارات داخل التفاهمات الأولى، في خطوة تُقرأ كمكافأة سياسية مقابل انسحابه الهادئ من منافسة البيت الشيعي، وكضمانة لعدم فتح جبهة داخلية تُربك عملية التكليف.
السوداني .. حصة وازنة
وتقول مصادر داخل الإطار إن السوداني سيُمنح خمس وزارات مع هيئة مستقلة، أبرزها النفط والصناعة والمعادن والعمل والشؤون الاجتماعية، إلى جانب هيئة استثمار بغداد التي تُعد من أثقل مواقع النفوذ المالي في العاصمة.
تضيف المصادر أن هذه الصيغة لم تُبنَ على الأرقام فقط، بل على وظيفة سياسية واضحة، تقضي بربط جناح السوداني بالترتيبات المقبلة كي لا يتحول إلى "كتلة انتظار" تمتلك قدرة التعطيل من الخارج، خاصةً أن معسكر المالكي يدرك حساسية المرحلة وحاجة الإطار إلى إظهار صورة متماسكة، حتى لو كان هذا التماسك مصنوعاً من تفاهمات ومقايضات لا من قناعة كاملة بالمرشح.
بالتوازي، تتحدث المعلومات المتداولة داخل الإطار عن توزيع أولي للحقائب على القوى الرئيسية، بما يسمح بتطويق الاعتراضات وإنتاج حكومة "موزعة النفوذ" لا حكومة تتمركز فيها كل المفاتيح عند رئيس الوزراء.
وفي هذا الإطار، يُتداول أن وزارة الخارجية قد تذهب لتيار الحكمة، وأن وزارة التربية ستكون من نصيب كتلة "صادقون"، فيما تميل وزارة الداخلية لصالح منظمة بدر، على أن تكون وزارة المالية من حصة الكرد ضمن التفاهمات المرتبطة بالشراكة الحكومية الأوسع.
وتؤكد المصادر أن ملف الهيئات المستقلة لا يزال مفتوحاً، لكن المبدأ الذي يجري تداوله داخل الاجتماعات التحضيرية هو توزيعها على أساس الاستحقاق الانتخابي والقدرة على توفير الغطاء السياسي لتمرير الحكومة.
أما في ملف رئاسة الوزراء، فتشير المصادر إلى أن المالكي بات في موقع "الأقرب" بالفعل، لكن الإطار لا يريد إعلان الإجماع دفعة واحدة. السياسيون المقربون من الإطار يتحدثون عن أن حسم تسمية المالكي رئيساً للحكومة سيُرحَّل إلى الاجتماع المقبل، بعدما تبين أن بعض القوى تريد ضمانات إضافية حول شكل القرار داخل رئاسة الوزراء، وحدود المركزية، وطريقة إدارة الملفات الأكثر حساسية مثل الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية.
لا مركزية للقرار
في الكواليس، لا ينحصر الاعتراض داخل الإطار على المالكي بموقف شخصي أو مزاجي، بل يرتبط بقلق متكرر من إعادة إنتاج نموذج حكومة "مركز القرار"، وهو ما ترفضه قوى ترى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شراكة أعمق داخل البيت الشيعي كي لا تنفجر الخلافات سريعاً عند أول اختبار إقليمي أو داخلي.
وتضيف المصادر أن هناك من يُشدد على أن الحكومة المقبلة لا تحتمل شخصية جدلية قد تستفز الداخل أو تعقّد العلاقة مع الأطراف الخارجية المؤثرة، خاصةً أن ملف السلاح والضغوط الأميركية والاشتباكات السياسية في بغداد يجعل هوية رئيس الوزراء جزءاً من معادلة أوسع من مجرد توزيع مناصب.
وتقول مصادر "إرم نيوز" إن الإطار يحاول في هذه المرحلة إدارة الملف بمنطق "التهدئة الاستباقية"، حيث يتم تفكيك الاعتراضات عبر الوزارات والضمانات قبل لحظة التكليف، لأن الإعلان المبكر عن المالكي بلا تفاهمات سيعني دفع القوى المتحفظة إلى رفع سقفها علناً أو الذهاب إلى خيارات تعطيل غير محسوبة.
توازنات محكومة بتفاهمات داخلية
اللافت، وفقا لمصادر متابعة، أن "بازار الحقائب" لم يعد مجرد استحقاق إداري متأخر، بل تحوّل إلى لغة تفاوض كاملة داخل الإطار. كل حقيبة تُمنح لطرف تعني عملياً تراجع احتمال التصعيد من جانبه، وكل موقع سيادي يُوزَّع بعناية يعني أن المالكي، إذا تم تكليفه، سيكون رئيس حكومة ضمن توازنات محكومة بتفاهمات داخلية، لا ضمن مساحة مفتوحة لاستعادة نفوذ منفرد.
وبحسب تقدير المصادر، فإن الإطار يريد الوصول إلى لحظة التكليف وهو يحمل "حكومة شبه جاهزة" على مستوى التفاهمات الأساسية، حتى لا يفتح الباب أمام مفاوضات مرهقة بعد التكليف قد تستنزف الشرعية السياسية للحكومة منذ بدايتها. وفي الوقت نفسه، لا يرغب الإطار بالدخول في تصويت داخلي حاسم يترك ندوباً داخل البيت الشيعي، لأن التصويت قد ينتج مرشحاً رابحاً لكنه غير محصّن بتوافق حقيقي، وهو ما يجعل الحكومة أضعف عند أول أزمة أمنية أو سياسية.
في المحصلة، ترى المصادر، أن المالكي يتقدم خطوة إضافية باتجاه التكليف، لكن بوابة العبور ليست الاسم وحده، بل السلة التي تُرافقه، إذ يحاول الإطار شراء الإجماع بالوزارات وضبط التوازنات قبل الإعلان الرسمي، فيما يتمسك المعترضون بحقهم في تحويل الترشيح إلى "لحظة شروط" لا لحظة تسليم. وبين الاثنين، تبدو بغداد أمام حكومة تُصنع بالتفاهمات الثقيلة لا بالشعارات، وبالصفقات الهادئة لا بالقرارات المفاجئة.