بينما دخلت إيران في هدنة مؤقتة مع الولايات المتحدة، انفجرت الجبهة اللبنانية بأعنف موجة قصف منذ بداية الحرب، في مشهد يكشف مفارقة صارخة: طهران تُهدّئ جبهتها المباشرة، فيما يُترك لبنان تحت النار.
لا تعكس هذه المفارقة خللًا تقنيًا في الاتفاق، بل تفضح طبيعة الصراع نفسه، وتعيد طرح السؤال حول موقع لبنان داخل الاستراتيجية الإيرانية، ودور حزب الله في هذه المعادلة.
لبنان خارج المعادلة
بحسب ما نقلته "رويترز"، أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن وقف الضربات على إيران “لا يشمل لبنان”، رغم حديث رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن شمول الاتفاق للجبهة اللبنانية.
هذا التباين لا يعكس فقط تضاربًا في الروايات، بل يكشف أن لبنان لم يكن طرفًا في صياغة الاتفاق أصلًا، بل ساحة يُتفاوض عليها من الخارج. كما تشير تقارير إلى أن السلطات اللبنانية لم تُبلَّغ رسميًا بأي إدراج لها ضمن التهدئة، ما يعزز صورة دولة غائبة عن قرار الحرب والسلم على أراضيها.
أعنف ضربة منذ بداية الحرب
بعد ساعات من إعلان الهدنة، شنّت إسرائيل هجومًا واسعًا على لبنان، استهدفت خلاله أكثر من 100 موقع في الجنوب والبقاع وعدة مناطق في بيروت، وفي واحدة من أعنف الضربات منذ اندلاع الحرب.
وبحسب معطيات متقاطعة من مصادر إعلامية لبنانية ودولية، أسفرت الغارات عن سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، في تصعيد وصفته مصادر لبنانية بأنه “الأقسى منذ اغتيال الأمين العام لحزب الله”.
هذا التطور يضع الهدنة في سياق مختلف تمامًا: تهدئة على مستوى إيران، مقابل تصعيد مفتوح على الأرض اللبنانية، دون أي مظلة سياسية أو ردع متوازن.
حزب الله.. صمت تحت القرار الإيراني
في المقابل، أفادت "أسوشيتد برس" و"رويترز" بأن حزب الله أوقف عملياته العسكرية عقب إعلان وقف إطلاق النار، في خطوة تعكس التزامًا مباشرًا بإيقاع القرار الإيراني، رغم أن لبنان لم يكن مشمولًا بالاتفاق.
لكن اللافت، كما يرى الباحث السياسي اللبناني علي حمادة، أن "ما جرى يثبت مرة جديدة أن حزب الله لا يتحرك وفق مصلحة لبنان، بل وفق أجندة إيرانية بحتة، حيث يلتزم بالتهدئة حين تُقرّر طهران، حتى لو كان لبنان تحت القصف" .
ويضيف حمادة أن "الأخطر أن الحزب لم يجرؤ على الرد، رغم أنه يواجه أكبر هجوم إسرائيلي منذ اغتيال أمينه العام، ما يكشف أن قراره العسكري ليس بيده، بل مرتبط بما تسمح به إيران، حتى لو اقتصر الأمر على إطلاق بضعة صواريخ رمزية".
هذا المشهد، وفق حمادة، "يضع لبنان في موقع الدولة التي تُستَخدم أراضيها كساحة حرب، دون أن تمتلك حق الرد أو حتى قرار الصمت".
محور بلا حماية
تحليلات الغارديان تشير إلى أن إيران حاولت ربط وقف النار بجبهات "محور المقاومة"، لكن الصيغة النهائية التي أعلنها دونالد ترامب ركزت على إيران فقط، متجاهلة الساحات الأخرى.
هذا الفصل يتقاطع مع ما تطرحه مراكز أبحاث مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، التي ترى أن حزب الله يُدار كجزء من شبكة إقليمية تُستخدم حسب الحاجة، لا كطرف مستقل يُؤخذ بعين الاعتبار في التسويات.
دولة خارج القرار
لا يبدو استبعاد لبنان من وقف إطلاق النار مجرد تفصيل، بل انعكاس لبنية الصراع نفسه، فإيران تفاوض وتحصل على هدنة، وإسرائيل تواصل الضغط دون قيود، فيما حزب الله يلتزم دون أن يرد، ويقف لبنان الرسمي خارج المعادلة بالكامل.
بهذا المعنى، تتحول الهدنة إلى معادلة قاسية، أساسها أن إيران تُنقذ نفسها سياسيًا، فيما يُترك لبنان وحيدًا في مواجهة النار.